الاثنين، 12 نوفمبر 2018

جمال وإبداع الاختراعات العلمية في الحضارة الإسلامية : أحمد راغب السرجاني

لم تكن مهارة المسلمين في العلوم التقنية تقف عند حَدِّ إقامة المساجد والمآذن والقباب، والقناطر والسدود، وغيرها فقط، وإنما كان هناك أيضًا ذلك الإبداع الذي ظهر فيه الحسُّ الجمالي للعالِمِ المسلم، وبرزت فيه أيضًا مقدرته على تسخير ذلك النوع من العلوم؛ لتحقيق الراحة وإدخال البهجة والسعادة على القلب.
لقد أبدع علماء الحضارة الإسلامية عددًا من الاختراعات الميكانيكية الصعبة، تلك التي تُؤَدِّي دورها، لكن الصانع الماهر لم يكتف بهذا بل أضاف إليها ما يجعلها تُؤَدِّي معه دورًا جماليًّا آخر لا يَقِلُّ عن سابقه؛ ومن أمثلة ذلك:

الساعات

ذكر ابن كثير أنَّ أحد أبواب جامع دمشق كان يُسمَّى باب الساعات؛ لأنه عُمل فيها الساعات التي اخترعها الساعاتي المهندس محمد بن علي والد فخر الدين رضوان بن الساعاتي[1]، وكان يُعْلَمُ بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير وحَيَّة من نحاس وغراب، فإذا تمَّت الساعة خرجت الحيَّة فَصَفَّرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطستِ، فَيَعْلَمُ الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة[2]. وكان لابن الجزري ساعة مماثلة أيضًا[3].
وفي وصف هذه الساعة يقول ابن جبير أيضًا: "وعن يمين الخارج من باب جيرون، في جدار البلاط الذي أمامه، غرفةٌ، ولها هيئة طاقٍ كبير مستدير فيه طِيقان صُفْر قد فُتِّحَتْ أبوابًا صغارًا على عَدَدِ ساعات النهار، ودُبِّرَتْ تدبيرًا هندسيًّا، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فَمَيْ بازِيَيْنِ مُصَوَّرَيْنِ من صُفْر، قائمين على طَاسْتَيْنِ من صفر تحت كل واحد منهما؛ أحدهما تحت أوَّل باب من تلك الأبواب، والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازِيين يمدَّان أعناقَهما بالبندقتين إلى الطاستين، ويقذفانهما بسرعة، بتدبيرٍ عجيب تتخيَّله الأوهام سحرًا، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يُسْمع لهما دويٌّ، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بِلَوْحٍ من الصفر؛ لا يزال كذلك عند كلِّ انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلُّها وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأول.
ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أنَّ في القوس المنعطِف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرَّمة، وتعترض في كلِّ دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مُدَبّر ذلك كلّه منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمَّ الزجاجة ضوء المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعُها، فَلاَحَتْ للأبصار دائرة محمرَّة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمرُّ الدوائر كلها، وقد وُكِّل بها في الغرفة متفقِّدٌ لحالها، دَرِبٌ بشأنها وانتقالها، يُعِيدُ فتح الأبواب وصَرْفَ الصنج موضعها، وهي التي يُسَمِّيها الناس المِنْجَانة"[4].
هذا، وقد أرسل الخليفة العباسي هارون الرشيد في القرن الثاني الهجري (التاسع الميلادي، حوالي سنة 807م) هديةً عجيبةً إلى صديقه شارلمان ملك الفرنجة (فرنسا)، "وكانت الهديةُ عبارةً عن ساعة ضخمة بارتفاع حائط الغرفة، تتحرَّك بواسطة قوَّة مائية، وعند تمام كل ساعة يسقط منها عددٌ مُعَيَّنٌ من الكرات المعدنية بعضها إثْرَ بعضٍ، بعددِ الساعات فوق قاعدة نحاسية ضخمة، فيُسْمَعُ لها رنين موسيقيٌّ، يُسمَع دويُّه في أنحاء القصر، وفي نفس الوقت يُفتح بابٌ من الأبواب الاثني عشر المؤدِّية إلى داخل الساعة، ويَخرج منها فارسٌ يدور حول الساعة، ثم يعود إلى حيث خرج، فإذا حانت الساعة الثانية عشرة يخرج من الأبواب اثنا عشر فارسًا مرةً واحدةً، ويدورون دورةً كاملةً ثم يعودون فيدخلون من الأبواب فتُغْلَقُ خلفهم".
وهذا هو الوصف الذي جاء في المراجع الأجنبية والعربية عن تلك الساعة التي كانت تُعَدُّ وقتئذٍ أعجوبةَ الفنِّ، وأثارت دهشة المَلِكِ وحاشيته، ولكنَّ رهبان القصر اعتقدوا أنَّ في داخل الساعةِ شيطانًا يُحَرِّكها، فتربَّصُوا به ليلاً، وأحضروا البُلَط وانهالوا عليها تحطيمًا، إلاَّ أنهم لم يجدوا بداخلها شيئًا. وتُوَاصل مراجع التاريخ الرواية فتقول: إنَّ العرب قد وصلوا في تطويرِ هذا النوع من الآلاتِ إلى قياس الزمن؛ بحيث إنه في عهد الخليفة المأمون أهدَى إلى ملك فرنسا ساعةً أكثرَ تطورًا، تُدارُ بالقوَّة الميكانيكية بواسطة أثقالٍ حديديةٍ معلَّقة بسلاسل؛ وذلك بدلاً من القوَّة المائية[5].
وإن هذا ليعني -في بعض ما يعنيه- مدى ما وصلتْ إليه العقلية الإسلامية من تسامٍ في الفكر والإبداع، ذلك الإبداع الذي لم يفصل بين الناحية العمليَّة والناحية الجماليَّة للابتكارات والاختراعات العلميَّة.

الإنسان الآلي !

إذا كان العالم الآن على وشك الدخول فيما أُطْلِقَ عليه (عصر الإنسان الآلي)، وذلك بعد أن حقَّقَتْ تكنولوجيا الإنسان الآلي تَقَدُّمًا سريعًا على مدى السنوات القليلة الماضية، فإنَّ مصادرنا الإسلامية تُشِيرُ إلى أن البداية في ذلك كانت في عصر الحضارة الإسلامية.
وقد كان ذلك على يَدِ عالم الحيل الهندسية بديع الزمان أبي العز إسماعيل بن الرزاز الجزري، الذي عاش في القرن السادس للهجرة؛ فهو أَوَّل مَنِ اخترع الإنسان الآلي المتحرِّك للخدمة في المنزل؛ حيث طلب منه الخليفة أن يصنع له آلة تُغْنِيهِ عن الخدم كُلَّمَا رغب في الوضوء للصلاة، فصنع له الجزري آلة على هيئة غلام منتصب القامة، وفي يده إبريق ماء، وفي اليد الأخرى منشفة، وعلى عمامته يقف طائر، فإذا حان وقت الصلاة يُصَفِّر الطائر، ثم يتقدَّمُ الخادم نحو سيِّدِه، ويصبُّ الماء من الإبريق بمقدارٍ مُعَيَّنٍ، فإذا انتهى من وضوئه يُقَدِّمُ له المنشفة، ثم يعود إلى مكانه، والعصفور يُغَرِّدُ[6]!

حامل المصحف الإلكتروني !

اكتُشِف حديثًا (عام 1975م) في مكتبة لورنيين بفرنسا مخطوطٌ في الحيل النافعة بعنوان (الأسرار في نتائج الأفكار)، يعود إلى العصر العربي الإسباني، ويحوي أجزاءً مهمَّة حول الطواحين والمكابس المائية، ويشرح أكثر من ثلاثين نوعًا من الآلات الميكانيكية, وساعة شمسية متطوَّرَة جدًّا، يقول جوان فيرنيه أستاذ تاريح العلوم العربية بجامعة برشلونة: "لقد تأكدتْ نسبة كتاب (الأسرار في نتائج الأفكار) للمؤلف العربي الإسباني أحمد (أو محمد) بن خلف المرادي الذي عاش في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، ويهدف إلى تعليم صُنْعِ لعبٍ ميكانيكية كان الكثير منها قابلاً للاستعمال كساعة مائية". ويُلِحُّ فيرنيه على وجود قَرَابَة بين هذا الكتاب وكتاب آخر ترجمته شميللر إلى الألمانية عام (1922م)، كما أنه يُؤَكِّد على أن المهندس المعماري الفرنسي فيلاردوهنكور الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، كان على عِلْـمٍ بتقنيات العالِم العربي التي تقوم بحركات دائمة[7].
وما يهمُّنَا هنا من أمثلة التقنيات المتقدِّمَة التي صوَّرَها كتاب المرادي: "حامل المصحف" الموجود في جامع قرطبة، والذي يُتِيحُ تناول نسخة نادرة من القرآن الكريم، وقراءتها دون أن تمسَّهَا الأيدي، إذ ينفتح الحامل بطريقة آلية؛ حيث تُوضَعُ المجموعة المكوَّنَة من الحامل والمصحف على رَفٍّ متحرِّكٍ في صندوق مُغْلَقٍ بالقسم العلويّ من المسجد، وعندما يدار مفتاح الصندوق ينفتح باباه فورًا وآليًّا نحو الداخل، ويصعد الرفُّ من تلقاء ذاته حاملاً نسخة القرآن إلى مكان مُحَدَّدٍ، وفي الوقت نفسه ينفتح حامل المصحف وينغلق بَابَا الصندوق، وإذا أدخل المفتاح من جديد في قفل الصندوق وأُدِيرَ بالاتجاه المعاكس تتوالى الحركات السابقة بالترتيب المعاكس، وذلك بفضل سيور وآليات أُخْفِيَتْ عن الأنظار[8].
بهذه الابتكارات قدَّم المسلمون للعالم آلاتٍ ومصنوعات تعبِّر عن جمال حضارتهم، ورقة ذوقهم.
د. راغب السرجاني

[1] ابن الساعاتي: رضوان بن محمد بن علي بن رستم، فخر الدين الخراساني، ابن الساعاتي (ت 618هـ/ 1221م) طبيب وفيلسوف وشاعر، وأبوه كان مهندسًا في عمل الساعات؛ ولذا سمي الساعاتي، ومولده ووفاته في دمشق. انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء 21/471.
[2] ابن كثير: البداية والنهاية 9/180.
[3] دونالد ر. هيل: العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية ص169.
[4] ابن حبير: رحلة ابن جبير ص240، 241.
[5] حقق ذلك سيديو في كتابه (تاريخ العرب)، انظر: محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية 1/226.
[6] عن كتاب الجزري: الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل، وقد ترجم دونالد هيل هذا الكتاب إلى الإنجليزية عام (1974م)، ووصفه مؤرخ العلم المعاصر (جورج سارتون) بأنه أكثر الكتب من نوعه وضوحًا، ويمكن اعتباره الذروة في هذا النوع من الإنجازات التقنية للمسلمين. انظر: أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي الإسلامي ص31.
[7] أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي الإسلامي ص35، 36.
[8] جوان فيرنيه: الإنجازات الميكانيكية في الغرب الإسلامي، مجلة العلوم الأمريكية، الترجمة العربية، الكويت، أكتوبر/ نوفمبر، مجلد 10، 1994م، نقلاً عن المصدر السابق ص35.


الأحد، 11 نوفمبر 2018

كلمة عن رواية نداء الواحة للكاتب عز الدين نجيب بقلم حسن غراب

هذه الرواية..
واحة عذراء عند أقصى الحدود الغربية للوطن، حيث لا تزال هناك – ماثلةً – آثارُ حضارة قديمة اندثرت، وأطلال مدينة تحولت إلى أسطورة، وبشر يعيشون خارج مسار الزمن، نسيهم الوطن الأم قرونا ممتدة، فعاشوا فى منفى الطبيعة تحت سلطة القبيلة وتقاليدها الصارمة، محافظين على بقايا من إيمان صوفى يمدُّهم بزاد روحى، وإن لم يمنع هذا بعضهم من بيع تراثهم !
على أرض هذه الواحة النائية تلتقى مجموعة من الرسامين من الشاطئ الآخر للوطن، جاءوا حاملين معهم ثقافتهم التى اختلطت فيها مظاهر الحداثة بشوائب الحرية، وقيم الانفتاح الاقتصادى الصاعدة أواخر السبعينيات بالنوازع الإنسانية الدائمة؛ بدءاً من عواطف الحب والانتماء، إلى مطامع الانتهازية والاستغلال، ومن دوافع الخير والعطاء، إلى مآرب التسلط والفساط، ويُطل الماضى من كهوفه القديمة بداخل الشخصيات مُلقياً بظلّه على الحاضر، مُشعلاً رماد حب مستحيل، أو حافزاً للبحث عن البراءة المفقودة، فتصبح الواحة ساحة للصراع بين القديم والجديد، ومُفجِّراً للطبائع البشرية بحلوها ومُرِّها، ومؤشراً – فى النهاية – الانتصار الحب والخير.
تلك هى المادة الخام التى تشكَّلت منها هذه الرواية، محفوفة بظلال من الخيال والحل والرؤى الجمالية، صاغتها ريشة فنان تشكيلى فى أول عمل روائى له، بعد أن قدم للحياة الأدبية عدة مجموعات قصصية.

كلمة عن كتاب بئس المصير للكاتب محفوظ عبد الرحمن بقلم حسن غراب

ما قاله الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن ( رحمه الله ) عن كتاب بئس المصير :
" قرأت رواية بئس المصير للكاتب هشام حامد والصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع، والذي لا يعلمه أحد غير زوجتي الفنانة سميرة عبد العزيز أنني قرأت هذا الكتاب مرتين ، ولهذا الأمر عدة أسباب منها : والحق أقوله أنني انتابتني نوبة حيرة من عنوانه القاسي ، حتى أنني تناقشت كثيرا مع الكاتب في هذا العنوان وكان الكاتب على درجة عالية من الحذر والمرواغة، الجميل في الأمر هو أنني حين بدأت أتوغل في صفحات الكتاب بدأ يتضح أمامي أن الحذر الذي كان يرتسم على وجه الكاتب كان مُبطنا أيضا في سطور كتابه، ولا أبالغ حين أقول أنني أعتبر هذا الاصدار الجريء والصادم للجميع لا يقل عن كونه مُجلدا تاريخيا في هيئة رواية ، إن الهموم الذي يتحداها هذا الكتاب هي الحقيقة بعينها ، لكننا أمام كاتب وكتاب شديدي المراوغة ، فهما يمرارن أحداثا تاريخيا في إطار روائي ، وتلك هي الحيلة البارعة التي استخدمها الكاتب ،وقد تمكن مني تماما حين أراد أن يبلور قضية المصير في قرارات سياسية عليا ، لكنه أيضا قبض على تلابيب الأنفس البشرية ، لم يبق أحد إلا وأرجأ إليه حقه من المصير الذي اختاره بذاته ، إنك لن تشعر بالخدعة تلتف حول عقلك حين تفكر هل كان قانون الاصلاح الزراعي هو المتسبب في قتل أجمل إمرأة في مدينة سمسار ، ثم إن قلبك ينقبض حين تقف أمام اختياره لاسم المدينة التي تدور بها الأحداث الأولى، مدينة - سمسار- ، ولما كان هذا الكتاب يحفر فخا جغرافيا وتاريخيا في آن واحد فقد لجأ كاتبه لربط المدينة بعزبة بخنس ، في التو تذكرت الحقبة العلوية ، والمدهش أنه وضع على سدة عرش هذه العزبة شيخ اسمه محرم ، وهو دجال ، فما كان مني إلا أن اتنهد وأقول : ما هذا ؟ ....
وضعتُ خطا أحمر تحت هذا السطر من الرواية الخطيرة :" يا محرم ، في هذا الجزء من العالم أنت الولي الفقيه " .
إن قائل هذا السطر شاب يعمل مهندس وهو وجودي العقيدة ، فتساءلت أيضاً : ما هذا ؟
إن الولي الفقيه في عزبة بخنس هو رمز كالضربة القاضية في وجه التحزم والجنون الهيستيري ، ولم يفت على هذه الرواية أن تتصدى لليبراليين فإذ يختار الكاتب ثلاثة منهم ويجعلهم يتوهون في الأرض بل ويستقرون في مدينة اسمها المخزن ....
لقد جعلني هذا الكتاب أستعيد معلوماتي عن الجغرافيا والتاريخ إذا بي في متاهة مُتعمدة أحدثها الكاتب عن سبق اصرار وترصد كأنه يقول : هؤلاء أنتم وهذا مصيركم ، ولما كانت الرواية ذات قوة لغوية متينة وصعبة سألت الكاتب : - ما اسم كتابك القادم ؟ فأجابني، فقلت أتمني لك التوفيق لكن اختر مصيرا آخر.
محفوظ عبد الرحمن

***

مقال تنوير القصة القصيرة: للناقد خالد جودة

تنوير القصة القصيرة

القصة القصيرة الناضجة هي التي تجذبك من سطورها الثلاثة الأولى، وهي التي تعيد قراءتها مرة ومرات من غير ملل.
المفارقة تشكل طبق الدهشة الذي يلذ بمذاقه القارئ
لا يجب أن أقرأ القصة فلا أكاد أميز بينها وبين المقالة
تعد قصة القوس "نصف الدائرة" الشكل الأصيل للقصة القصيرة، والتي تسمي أيضًا القصة الموباسنية نسبة إلى موياسان أحد مؤسسي القصة القصيرة الكبار بروائها الفني المعاصر، وهي طريقة مقدرة ترى الحكي قلب القص الفني.
ويجري تشكيل المنحي الفني للقصة في هذا النوع عبر تماسك الحدث، ووجود بداية وتصعيد درامي وخاتمة تحتوي لحظة التنوير، وليست هي لحظة تفكيك تشبيك خيوط القصة، أو لحظة الحل لأزمة القصة أو وضع نهاية محتومة لتصعيدها الدرامي، بل تعني في الإساس إستيفاء مغزي القصة، هذا المغزي المغزول بدقة الذي يبث الروح في الحدوتة لتصبح كائنًا فنيًا، لذلك لا يجب إضافة حرف واحد بعد إشباع لحظة التنوير في القصة وكشفها، ثقة بذكاء القارئ، وتغذية لمفهوم القارئ الذي يشارك القاص تأليف القصة وتدوير المعني، ومضاعفة إحساسه بالمتعة بقراءة ما بين السطور بعد أن يمنحه القاص مفاتيح الولوج إلى ما ورائها فيما يسمي النصوص الغائبة.
يقول محمود البدوي - الذي أوقف حياته علي القصة القصيرة - : "يجب أن تكون لحظة التنوير في القصة واضحة، وأن تتمتع بخاصية التركيز، وأن يبتعد كاتبها عن الاستطراد أو الإسهاب وكثرة الوصف. لا يجب أن أقرأ القصة فلا أكاد أميز بينها وبين المقالة، القصة القصيرة الناضجة هي التي تجذبك من سطورها الثلاثة الأولي، وهي التي تعيد قراءتها مرة ومرات من غير ملل".
ويعانق "لحظة التنوير" المفارقة التي يجسدها معني "خيبة أفق توقع القارئ"، والخيبة للأفق بينما المتعة للقارئ حيث تحقيق المسافة الجمالية باكتشاف تلك الفجوة بين مسار للحكي يتوقعه القارئ والتحقيق القصصي بلحظة التنوير، إن المفارقة تشكل طبق الدهشة الذي يلذ بمذاقه القارئ، وهي وسيلة لحصاد مغزي القصة أو طبق الدهشة الذي ليس هدفًا للقاص في حد ذاته إلا لكونه يقدم فيه "المغزى".
وتتنوع مقاصد استيفاء لحظة التنوير فقد تقارب الأمثولة حيث أنسنة "غير الإنسان" حين فقد الإنسان، ومن أفق هذا الوعي تحضر لحظة الإبدال برواء نفسي، أو ما يسمي بالقوس العاطفي حيث إبدال السلوك والقيم للشخصيات القصصية، حيث مفهوم الحدث يعني الشخصية وهي تعمل، فهي حركة تكشف السلوك وتشكل التغيير أو المفارقة. وقد توغل قصص أخرى في لحظة الإبدال والتحول لدرجة الاشتعال، وكلما أوغلت القصة في التقطير وأسرعت إلى البرق في القصص الوامضة، كلما كانت لحظاتها مشتعلة يحدوها القول الأشهر للنفري "إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، هي لحظة الكشف والوعي بدقة الإبدال، وترويع المفارقة.
ويمكن أن يكون نمط لحظة التنوير ذا دلالة غير منتهية بخاتمة واخزة للقارئ، بمعني أنه لم تحل المشكلة، ولم يتم إغلاق الحبكة، بل إيداع حالة التوتر وتوهج الأزمة، لتشير فكرة القصة لوجوب الفعل والمبادرة في أفق الواقع للإنجاز والتشبث بطوق نجاة، التنوير هنا لم يكن إذابة للألم وتحطيمًا للمشكلة، بل بعثها سرمدية لتظل في وعي التلقي دافعًا للتغيير.
وتبدو لحظة التنوير رائعة، تقتني من اسمها نصيب حيث تحقق ما قاله روجر ب. هينكلي عن القصة أإنها: "يجب أن تكون وسيلة إدراك معرفي، بمقدورها أن تزودنا برؤية صحيحة في عالم الحياة والأحياء والعلاقات الإنسانية تفوق في قدرتها علي التأثير فينا ما يمكن أن نحصله من علم الاجتماع والتاريخ والنفس والإنسان". إنها اللحظة "الكنز" في القصة القصيرة إليها يسعي القاص ويحفد.

كلمة عن كتاب: عام الهيكل الثالث للكاتب حسن عبد ربه المصري بقلم حسن غراب

كلمة عن كتاب: عام الهيكل الثالث للكاتب حسن عبد ربه المصري بقلم حسن غراب
*************************************************************************

العالم كله في طريقه للتغير لأسباب سياسية واقتصادية وبيئيية و تقنية.. لن يبقى الأمر كما نعرفه اليوم على حاله ... أمريكا تتفكك.. أوروبا تتناثر.. الشرق الأوسط وجنوب شرق اسيا يختنقان .. أمريكا اللاتينية تنتكس .. يتجمع حكماء العالم من كل حدب في مكان يجمعهم .. لا مكان للمتخلفين ولا رأي للضعفاء .. تلاشت كيانات سياسية واندمجت أخرى . تحالف الأعداء .. وأجهز بعض الدمويين على بعض .. سفكت دماء واشتعلت حرائق .. ثارت أمواج عاتية .. وتصحرت مساحات .. اختفت غابات وجفت ينابيع و ابار .. وقضت العواصف على ملايين من سكان كوكبنا .. تلاشت كيانات سياسية هنا و هناك .. وأصيبت إسرائيل في مقتل على يد عوامل بيئية خارجية وأخرى عنصرية داخلية .. الصين أصبحت على القمة منذ عام 2055 لأنها كانت تملك القدرة المالية والإقتصادية .. فاستحوذت على مستقبل التقنيات وثورتها الرقمية .. وحدت العملة النقدية .. وألغت وظيفة الجيوش .. أصبحت السيادة للأجهزة الأمنية .. تحت غطاء احتفال "حكومة بكين" ببدء تقويمات السنوات الجديدة اخر أيام عام 2099 في مدينة القدس "عاصمة السلام" بمشاركة مجموعات من معتنقي الديانات السماوية والدنيوية ينسج مجموعة من يهود لاس فيجاس مؤامرة لهدم المسجد الأقصى وكنيسة القيامة .. بهدف إعادة بناء الهيكل الثالث ..

كلمة عن كتاب :الإلياذة الإسلامية للكاتب محمد محمد السنباطي بقلم حسن غراب

كلمة عن كتاب :الإلياذة الإسلامية للكاتب محمد محمد السنباطي
**********************************************************
هو الجزء الأول من "الإلياذة الإسلامية" تلك الملحمة التي تتناول في جزئها الأول "أنبياء الله من ادم حتى عيسى ابن مريم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام"...
ملحمة تجمع بين الشعر والنثر، بين الحقيقة والاسطورة، بين حكايتنا عنهم و حكاية غيرنا، في أسلوب شائق جذاب، وشعر يفيض بالعذوبة والعاطفة...
ملحمة "التوحيد" في صراعة الشرك عبر العصور وعلى امتداد الأزمنة...
وماتزال قوافل الضوء تتهادى حتى اكتمل النور بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم


تعليق من بهاء فودة
=========== 
الكاتب الروائي الكبير الأستاذ محمد محمد السنباطي بحكم تدينه وعمله كمرب وثقافته التي تجمع بين الإرث والمحتوى الثقافي العربي وبين ثقافات اللغة الفرنسية وآدابها ومواقع انتشارها يهدينا بانوراما نطل من خلالها على الإسلام من بداياته منذ سيدنا آدم ورحلة الحياة مع حملة ألويته من الرسل والانبياء على مر العصور .. فالاسلام هو روح كل الأديان وإن اختلف البشر والرسل .. ورسولنا الكريم عليه صلوات الله وسلامه يشير لهذا فهو القائل إنما بعثت لإتمم مكارم الأخلاق .. كما أن سيدنا ابراهيم عليه السلام هو الذي سمانا المسلمين لأن الدين عند الله الإسلام .. بمعنى إنتفاء القصد والتسليم لله تعالى .. وهذه هي روح كل الأديان .. الشرط الوحيد (لكي يكون هذا الكلام حقا وصدقا) هو التوحيد ..

كلمة عن رواية : محراب حبها للدكتور حسن خليل بقلم حسن غراب

كلمة عن رواية : محراب حبها للدكتور حسن خليل بقلم حسن غراب
**********************************************************
هى الرحلة الأزلية الأبدية، قد نعرف بدايتها، ولكن أبدا لن ندرك نهايتها، إنها رحلة الحب المقدسة، ذلك الشعور الغريب الذى ينتابنا، فيدق له القلب ويرق، وتسمو به الروح، ويجن به العقل، وتتأثر به الجوارح، فتبكى منه العين، وتقشعر منه الأبدان، فإما تصحوا وتنشط، وإما تهزل وتكسل، ولا ندرى كيف يؤثر هذا الشعور على هذا النحو فى الروح والقلب والعقل، بل ويتخطاها إلى الجوارح. وبرغم وجوده منذ بدء الخليقة، فلم نعرف له سرا، ولم نعرف له مدخلا، فقد يكون عن طريق العين عندما يبهرها الجمال، وقد يكون من طريق الأذن عندما تسمع حسن الكلام، وقد يكون عن طريق العقل عندما يشعر بالإحسان، فإن دخل من أى منها كان مستقره القلب، فإن ثبت صعد إلى الروح، وهذا أقصى ما يعرفه الإنسان، وإن كنا لا نعرف سر ارتباطه بالقلب والروح بعد سريانه من الأبدان.

رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة

قرأت لك: رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة 1. الحكاية: تحكي الرواية عن عالم في الهندسة الوراثي...