https://youtu.be/snwQB2tug9M?t=99
تهتم هذه المدونة بالنظريات العلمية وأدب الخيال العلمي.والمناسبات والمسابقات الأدبية بصفة عامة
السبت، 16 مارس 2019
الجمعة، 15 مارس 2019
كتاب "نعم .. كنت أخدعك يا أمي" للشاعر مجدي عبدالرحيم: خالد جودة
سوناتا الأمومة والبنوة وحكي الحنين
كتاب "نعم .. كنت أخدعك يا أمي" للشاعر مجدي عبدالرحيم، من الكتب التي تشعر معها أنها قطعة من الحياة الموارة بالشجن والإنسانية العذبة.
السبت 2019/02/09
معزوفة رائقة بين الأمومة والبنوة
التأسيس المنهجي للقراءة يرى سبر غور النصوص بملكة التفكير لتقديم الحجج الجمالية والفنية، للوصول إلي منتج "المعرفة"
طرافة الحدث الذي يعكس ذروة العطف والرعاية
كتاب "نعم .. كنت أخدعك يا
أمي" للشاعر مجدي عبدالرحيم، من الكتب التي تشعر معها أنها قطعة من الحياة
الموارة بالشجن والإنسانية العذبة، بداية من العتبة الموازية المرافقة
بكلمة الغلاف الأخير بقلم ابنة الكاتب فاطمة الزهراء مجدي، تقول (بتصرف):
"كتب أبي هذا الكتاب مرثية لأمه بعد رحليها، وها أنا أكتب كلمة لذات الكتاب
لأرثيه بها. فما سر هذا الكتاب؟ (..) لا زلت أذكر كيف بدأ أبي في هذا
الكتاب عقب وفاة جدتي مباشرة، كيف انشغل به ليلًا ونهارًا، كيف كان سلواه
وطريقته الوحيدة لتحمل الحياة بدونها، وكيف ذبلت حياته بعد أن أنهي
صفحاته". ثم بمفردات الغلاف الأصيل بصورة السيدة التي تفيض بالدعة والطيبة
والسلام النفسي.
ثم يجد القارئ التصنيف الموصوف به النوع الأدبي للكتاب "سرد أدبي لسيرة
ذاتية"، حيث يستند الحكي إلى أساس مرجعي بإبحار انتقائي في الذاكرة لسيرة
حياة أمومة معطاءة، وبنوة مخلصة، يقول: "ما كتبته هنا لا علاقة له
بالمذكرات نهائيًا، هي حكايات للحنين والفقد والشوق، تفجرت بداخلي عقب رحيل
أمي الحبيبة، وذكريات مرحلة الطفولة، وأمي هي المكون والرافد الرئيس لها،
والشاهد على كل الأحداث، كتبتها بمداد من القلب والروح".
ويذكرنا حكي السيرة الذاتية والمؤطر برحاب سيرة غيرية لعزيز راحل، بكتاب
جميل آخر للدكتورة بنت الشاطئ (عائشة عبدالرحمن) والمعنون "على الجسر" عن
سيرة حياتها مع زوجها الراحل، شيخ الأمناء أمين الخولي، والجسر في العنوان
يعني أنها كائنة علي جانب من الجسر بين الحياة والموت، وسوف تعبر إليه، وقد
اجتاز الشاعر مجدي عبدالرحيم الجسر سريعًا لتسكن روحه بجانب الأم الحبيبة،
يصف بقوله عن حالة حزنه المستمرة، وأنه رغم يقينه بقدر الله تعالي، وأن
"ثلاثية الميلاد والحياة والموت قدر معلوم ومصير محتوم": "لكني حزين
لفراقها وخسارتي فادحة في البعد عنها، أكابد ذلك وحدي، أتجرع مرارة الرحيل
يوميًا في صبر واحتساب، أحس بوحشة قاتلة تكاد تعصف بي".
يجب مزج الذائقة بالإجراء النقدي، لإنتاج الأثر المنشود للقراءة الموفقة، ومن هذا المبدأ أعلن أني قد أحببت هذا الكتاب كثيرًا، وهو جدير أيضًا بمحبة القارئ
ثم عنوان الكتاب المثير، والمشوق للقارئ لما
يضمه من مفارقة صادمة، لكن عند مطالعة الكتلة السردية المعنونة بذات عنوان
الكتاب، نعي طرافة الحدث والذي يعكس ذروة العطف والرعاية، فيعدد مواقف
الكاتب في الشفقه بالأم، منها أنها تصر على صيام شهر رمضان رغم ما تتعرض له
من متاعب صحية: "أنا صايمة زي زيكم"، فيأخذ حذره في السنة التالية فلا
يخبرها بقدوم الشهر الكريم، وتتناول الأسرة وجبة السحور بعيدًا عنها، ويكون
موعد الغذاء ساعة المغرب، ويحتسون أكواب العرقسوس والتمر هندي والبلح
باللبن في الخفاء، وأيضًا نصيحة طبيب العائلة –وهي نصيحة موفقة - بأثر
الأدوية الخاطئة الخطير في صحة الأم في عمرها المتقدم، فلما تصر الأم على
إحضار الطبيب فيقوم مرة بإحضار صديقه الصيدلي بجهاز الضغط، ومرة أحضر جاره
مصطحبًا سماعات الووكمان الكبيرة، ثم قيامه بحجب أخبار وفاة الأقرباء
والأعزاء عنها، حيث كانت تحزن بشدة عند سماع خبر وفاة أحدهم، وغير ذلك من
مواقف طريفة تخبر عن عظيم حنان الابن بأمه.
والكتاب معزوفة رائقة بين الأمومة والبنوة، فهي سوناتا رائقة، والسوناتا
كما جاء بمفهومها أنها أهم قوالب الموسيقي، تشتمل العرض والتفاعل، وإعادة
العرض والختام، وأنها قطعة موسيقية يعزفها عنصران من أدوات الموسيقي
"الكمان والبيانو" علي سبيل المثال. يقو: "أعرف يا أمي وأدرك جيدًا أنك
فضلتيني على الجميع، واخترتِ طواعية أن تعيشي معى وأن تمنحينى بابًا يقودني
(إن شاء الله) إلى رضا المولى عز وجل، وبدوري يا غالية لم أفرط فيك لحظة
واحدة، جعلتك تاجًا فوق راسي أشرف بك دائمًا، أنا ابن تلك المرأة وافتخر".
ومن أهم ثيمات الكتاب الموضوعية - إضافة إلى تلك المعزوفة الشجية - هي
تقديم خارطة طريق للحياة الطيبة، وهي في ذات الوقت إحدى منتجات هذه
المعزوفة، لذلك كانت من سبل الحياة الطيبة رعاية الأبوين والإحسان إليهما:
"فتطيب له الدنيا ويسعد في الآخرة برضوان الله". ويرى – وهي حقيقة - أن من
أهم علامات طريق الحياة المبهجة، دعاء الأم، فسماه بالسحر العجيب، والترياق
الناجع يقول: "لدعاء أمي (سحر عجيب) وباب مفتوح للسماء، والله ما دعت لي
مرة إلا وأحسست براحة وسكينة تسري في جسدي، أدركت البركة في وجودها ورضاها،
بعد رضا المولى عز وجل، والسعادة الحقيقية تكمن في برها وحسن رعايتها
والسهر علي راحتها".
ويتحدث الكاتب عن تحرير مقاييس السعادة، يقول: "تعملت من أمي أشياء كثيرة،
وأدركت أن مقاييس السعادة تختلف بين الناس، هناك من يرى السعادة في المال
والمكانة والنفوذ، وهناك من يراها في راحة البال والسكينة والقناعة".
ويقول: "أدركت مبكرًا قيم التصالح مع النفس، وكيف تعيش بين البشر وأنت
مستغن عما لديهم ولا تكون طامعًا فيما معهم أبدا، ولا تتكالب وتتطاحن على
منافع زائلة، إن كنز الكنوز هو الستر وراحة البال، وأن يحفظ الله لك صحتك
وصحة أحبابك وأهلك"، وقدم تلك المقاييس الموفقة شعرًا عطر به السيرة، عن
الأمومة مورثة القيم النبيلة، حاضنة المجتمع من سوس الغضب، يقول: "فاكر .. /
وأنت بترضع منها / إن الحب أساس الكون / وإن الناس من غير أحساس .. ،
ماتبقاش ناس / وإن بيوتنا لكل جيرانا / وإن اللمة .. / بتونس دايمًا / -
لقمة هنية تكفي مية - / آه ياما / على دي أيام / تتمرجح فيها / الأحلام".

ومن
هذا الإطار رصد بوعي تجريف الشخصية المصرية وإبدال قيمها النابهة من
الشهامة والبطولة، كانت "زمان" كما يقول الكاتب: "كانت أيامًا جميلة وبريئة
وصافية، جيرانك بسطاء تشعر بينهم ومعهم أن الدنيا ما زالت بخير، وأن قلوب
الناس مفتوحة وممتلئة بالحب والعطاء والصدق والإخلاص والتجرد".
ويقدم علامات أخرى في تلك الخارطة تستحق الإحتفال، وتبحر من أفق مقولة
رائعة من تراثنا الزاهر "يا بني الغريب من ليس له حبيب"، يقول: "حباني الله
ببركة رضا أمي ودعائها بمجموعة طيبة من الأحباب أعتز بهم جدًا، وجودهم في
حياتي تاج فوق رأسي، وعلامات مضيئة محفورة داخل وجداني، في حضورهم تأنس
الروح وتحلو الصحبة (..) هم الروح والخلجات، أسماؤهم محفورة في القلب بمداد
من النور والمحبة والمودة".
والتشغيل في الكتاب يحمل بصمة أسلوبية، تقوم علي حسن الترتيب، وصك العناوين
الفرعية، والتجميع لشذرات منوعة لإحداث الأثر المنشود، فأراد الكاتب أن
يجعل كتابه قاموسًا للحياة الغنية في صوبة أسرة مصرية صميمة، فضم إلى فقرات
كتابه قطوفا من منجزه الشعري حول الأبوة والأمومة، ننتقي منها مقطع من
قصيدة "قالت لى أمي"، شكلت المفردة العامية "يا واد" في نداء الأم
للإطمئنان علي الابن، واقعية أفضت للمعنوي "بسمع صوت ملايكة"، يقول: "بسمع
صوت ملايكه / بتعدى ف الأوضة / لحظة ما .. / أمي بتسأل / رجعت إمتى ياواد؟"
ولم يقتصر الإشباع الشعري بهذا الضخ المباشر، بل حفل الكتاب بقطع من نثر
شعري بهيج، سهل الأسلوب، مثال قوله: "أكرمني الله عزّ وجل ومنحني قبسًا من
نوره ونسائم من رحمته، ورزقني ملاكًا يفيض رقة ومحبة ورحمة، يغدقها علي
جميع من حوله بلا تمييز، وكما يقول الصوفية من ذاق عرف، ومن عرف غرف،
وأضيف: ومن غرف شكر. من ذاق حلاوة شهد ورحيق وعسل وطيبة الأم، وتمتع
بنعيمها الوارف وتشبع من حنانها، أدرك جيدًا كم هو في نعيم مقيم، من تلمس
رضاها وسمع دقات قلبها، وهي تدعو له ليل نهار بالصلاح والفلاح والنجاح
والرزق الحلال ومحبة خلق الله"
كما قدمت السيرة لمحات من تأثير شخصية عامة كالشيخ الشعراوي، وأثره في
الشعب المصري نقي الفطرة، يقول عنه: "ما يعجب أمي التي لا تعرف القراءة
والكتابة في حلقات الشعراوي، بساطة الحديث، وسهولة التعبير ونقل المعلومات،
للشعراوي أسلوب رائع يجذب المتلقي، ويصل إلى قلبه من أقصر طريق".
كما قدمت لمحات عن وسائل المواصلات والأماكن ومغامرات الطفولة والتي عايشها
مواليد ستينيات القرن الماضي، مثال قوله: "ركبنا الأتوبيس من ميت عقبة
للجيزة، ثم يقطع شارع الهرم بأكمله، الشارع في تلك الفترة شبه خال من
البيوت وتكثر به مساحات الأراضي الزراعية بصورة كبيرة، نرى مشهد الأهرامات
من بداية دخولنا لشارع الهرم"، وأمور أخرى طريفة مثال منادي عمارات الأوقاف
أمام ناديي الزمالك والترسانة، الذي يمر صائحًا: "فلوس الإيجار" وأيضًا
"شقق للإيجار"، حيث كان الأهالي حينها يرون من العيب الاجتماعي السكني بها،
ثم الأطفال وهو يرشقون المنادي بالحجارة.
وختامًا إذا كان التأسيس المنهجي للقراءة يرى سبر غور النصوص بملكة التفكير
لتقديم الحجج الجمالية والفنية، للوصول إلي منتج "المعرفة"، لكن أرى أنه
يجب مزج الذائقة بالإجراء النقدي، لإنتاج الأثر المنشود للقراءة الموفقة،
ومن هذا المبدأ أعلن أني قد أحببت هذا الكتاب كثيرًا، وهو جدير أيضًا بمحبة
القارئ.
الثوب القيمي والإبداع الشعري للطفل: خالد جودة
الثوب القيمي والإبداع الشعري للطفل
أحداث مسرحية عبده الزراع الشعرية للطفل تدور داخل "مقلمة" الطالب الصغير فهمان.
الجمعة 2019/02/22
غرس القيمة الأدبية
الصراع ينتقل بين أدوات الكتابة والهندسة اليدوية والحاسب الآلي، حيث خطر الإحلال لها
فكرة الضغط الجمعي لتصويب الخطأ من أوضح ما يكون في نسق الفكرة
تدور أحداث المسرحية الشعرية
للطفل والمعنونة "القلم المغرور" للأديب عبده الزراع، داخل "مقلمة" الطالب
الصغير "فهمان"، حيث يغتر القلم الرصاص على بقية أدوات الكتابة، ويرى أنه
أفضل منهم جميعا وأنهم بدونه ليس لهم قيمة. ثم ينتقل الصراع بين أدوات
الكتابة والهندسة اليدوية والحاسب الآلي، حيث خطر الإحلال لها.
ومقاربتي في إطار تفاعلي مع النص المتماسك تشير بداية إلي قصدية الأديب من
خلال مسرحيته الشعرية إلى تحقيق أهداف تربوية وتعليمية في آن واحد، ويستهدي
بذلك بطائفة من الأدوات والوسائل الفنية، ونوضح ذلك كما يلي:
• شخوص المسرحية مفردات متصلة بالطالب الصغير، وهنا أنسنة أو شخصنة
الأشياء، وهي فكرة مشهودة وشهيرة في ميدان الكتابة للطفل، إذن القرب للطفل
يكون من خلال الحديث حول بيئة يحياها وأدوات يتعامل معها، بما في ذلك
الأدوات الحديثة كالحاسب الآلي.
• المشهد الغنائي وهو القالب الفني الذي أراده الأديب ليكون أقرب لذهن
الطفل، وألصق بوجدانه، وهو يبدأ منظره الأول ص 6 من المسرحية بأن تقوم كل
أداة من الأدوات الهندسية بتعريف نفسها، وفي إطار هذا التعريف توضح كل أداة
مهمتها، وفي ذلك التمهيد لفكرة "فريق العمل" أو تكامل الأدوار، وهي ذات
الفكرة الإدارية المهمة التي يقوم عليها علم الإدارة الحديث بالانتقال من
الهيكل الإداري التنظيمي التقليدي إلى الهيكل المفرطح باختصار عدد من
المستويات الإدارية، أي الإنتقال إلي "اللاهيكل" وهي السائدة في عالمنا
المعاصر لكل الشركات الكبرى الناجحة، لذلك تغرس تلك المسرحية من خلال نسقها
الغنائي وفكرتها الأساسية هذه القيمة ليخرج لنا جيل جديد للمستقبل يؤمن
بتلك الأفكار التي تحقق النجاح والتقدم.
إيقاع المسرحية متوازن بحيث تم تقسيمها مناصفة بين مشهد تفاعل الأدوات الهندسية، ثم طارئ حديث بقدوم الحاسب الآلي بمكوناته، والتفاعل بينها وبين الأدوات الهندسية من ناحية أخرى
• ومن خلال التعريف أيضا نجد اللمسة الوجدانية للوطن، والتي تغرس قيمتة في فؤاد الطفل:
"القلم: أنا القلم: / بسني بارسم ف الخطوط / أرسم بيوت تبقى وطن / ارسم شموس وأرسم علم".
• الحوار بين الفرد والمجتمع والذي يقوم بدور تربوي مهم بعزل والضغط عن
المفارق لقيم هذا المجتمع الصحيحة حتى يعود مرة أخري إلي طريق الصواب
ويقارب قيمها الثابتة، وتلك الفكرة مهمة إذ عليها يدور مدار الإصلاح جميعه،
بمعني أن غرس طائفة من القيم الراقية في نفوس أطفالنا وفي وسائل التدريس
تؤدي بذاتها دورا ذاتيا في إصلاح العطب من خلال الضغط الجمعي، سواء من خلال
سخرية المجموع بالقلم المغرور، أو بالتوضيح والإفهام له من الأدوات
الأخرى، أو بالتجربة المشاهدة، والتي تحمل البرهان مثل المباراة والتحدى
للقلم بقيامه بمهام الأدوات الأخرى.
"الجميع: (يضحكون) ها ها ها ها هاي يادي الفشل يادي الفشل".
وفكرة الضغط الجمعي لتصويب الخطأ من أوضح ما يكون في نسق الفكرة.
• وبالمسرحية العبارات الكاشفة له أو لافتاته الملخصة، والتي تغرس قيما
تربوية تؤكد على أخلاق رفيعة مثل العطاء والتعاون، والتي نحن في أشد الحاجة
اليوم لغرسها في أجيالنا الناشئة:
"المسطرة: لأ يا جماعة مش كده .. الموضوع مش مين أحسن من الثاني .. المهم إننا كلنا بنكمل بعضنا".
ويتكرر مفهوم إحنا بنكمل بعض: "البرجل : (..) مفيش غنا عن بعضنا".
• أيضا التناص الدائر في آفاق المسرحية والذي يأخذ عبارات مباشرة من
أغاني مشهورة، يجعل الفكرة قريبة من الطفل: "البرجل: أيوه وتقعد تغني لنا
(يغني بصوت غليظ) بتسأل ليه على .. ما لكش دعوى بيا ..".
وأيضا: "الويندوز: زعيم إيه اللى أنت جاى تقول عليه!! إنت تعرف قبله معني الزعامه إيه !!".
لكن في مجال هذا التناص توقفت رافضا (وأرجو أن يسمح لي النص بممارسة هذا
الحق كقارئ) على المستوي القيمي لمشهد معاكسة البرجل للكىيورد وهو مشهد
طالما جرى ابتذاله على شاشة التليفزيون من خلال عشرات الأفلام المسرحيات.
وعلي نفس الوتيرة قيام الأم بتقديم كوبين من الشاي للأستاذ والطفل، إذ أنه
لا يجب أن يشرب الطفل (السن من 8 – 12 سنه) شايا، وهو من المنبهات التي يجب
أن يبتعد عنها الطفل.
• كان الاختيار المباشر لاسم البطل (فهمان) يمثل الخطاب المناسب للطفل،
وتأكيد أهمية الفهم والذي يرقي عن الذكاء بتوظيف الأفكار لإدراك جوهر
الأمور، ورعاية مناسبة الحال.
• تناقش المسرحية أيضا فكرة الغرور وتتوغل داخل نفسية المتكبر، وتبين
تهافت ما بستند عليه من تعظيم ذات والاستعلاء بها على الآخرين فهنا منحى
نفسي، يقدم للطفولة بلغة سهلة واضحة قريبه من وجدانه.
• هناك أيضا مسحة فكاهية تسعد الطفل الذي يعشق المرح والتسلية، من خلال
أداء كوميدي لبعض الأدوات أو من خلال مشهد الأستاذ "خلوصي" والذي اختار له
الأديب اسم له جناس ناقص مع خصوصي، والتي تؤكد إدانة ظاهرة الدروس الخصوصية
وجشع بعض المدرسين، كما تلمح من طرف خفي لتهافت العملية التعليمية
وانهيارها.
وبرع الأديب في استخدام تقنية التكرار للخطأ في اسم المدرس بين الطفل
(فهمان) وأمه، وقد تبدو قضية التكرار من التوابل الفنية والتي يجب استخدمها
بحذر في أدب الكبار، بينما جاءت هنا باحتراف وفهم لطبيعة الطفل والتي تزيد
سعادته وتفاعله مع المسرحية.
• وهناك إشارات أخرى لشئون وقيم أخرى مهمة تتصل بالعملية التعليمية،
كالتحفيز للطالب من خلال تقديم الوعد له بمكافأته حال تحقيقه مستوي دراسي
معين، وبالطبع هي من ألزم الأفكار التربوية منذ القدم، وطبيعة التطور،
مثال: الحاسب الآلي، وعلاقة الرقمي بالورقي والتكامل بينهما في فهم صحيح
لتكامل الأدوار. أيضا اللغة العربية وأهمية تنقية الحديث من شوائب لا تتصل
بها، والحقيقة أن هناك من يتكلم لغة مشوهه (هجين) بين اللغة العربية
ومفردات من اللغة الإنجليزية:

"فهمان: ياريت يا أستاذ، خلوصا .. قصدي خصوصا لأني في بعض الدروس محتاج نعمل عليها (استرس).
أ. خلوصي : (بغضب) استـ .. إيه يا أخويا.
فهمان: (بخوف) استرس يا أستاذ .. يعنى نركز عليها.
أ. خلوصي : اسمها نركز عليها .. مش (استرس) .. خلاص كلكلوا بقيتوا خواجات
.. لسانكوا اتعوج .. مالها اللغة العربية .. دى لغة البيان والقرآن .. لازم
نحافظ عليها .. وخلوصا .. قصدي (بنرفزة) وخصوصا في عصر المدعوكه دي اللى
اسمها العولمة".
ولعل إيراد كلمة العولمة لا ترقي لفهم الطفل، وموقف الأستاذ من وجوب التمسك
بلغتنا هو الموقف الإيجابي الوحيد لهذا الأستاذ المنغلق الذي يرفض
التطوير ويحارب التقدم متمثلا في الحاسب الآلي، لكن هنا نجد تناقضا لا
أرضاه حيث إن معناها أن من ينادى بلغتنا الجليلة يكون منغلقا منفعلا!
"الأم: سيبك منه يا فهمان .. د باين عليه عدو التقدم .. ( .. )
فهمان: (يبكي) يا ماما هو كل المدرسين بالشكل ده .
الأم: لا يا حبيبي ده نوعيه من المدرسين الجشعين اللى ضد العلم والتطور .. لكن فيه مدرسين كويسين بيخافوا عليك".
وهنا ملمح جيد بإرساء فهم خطيئة التعميم والتي تقود للتعصب المشين.
كما نجد بعدا تشكيليا من خلال صورة للأستاذ الأشعث والذي يمثل الحاضر المتعثر، وفهمان الطفل الأنيق النظيف الذي يمثل المستقبل.
• إيقاع المسرحية متوازن بحيث تم تقسيمها مناصفة بين مشهد تفاعل الأدوات
الهندسية، ثم طارئ حديث بقدوم الحاسب الآلي بمكوناته، والتفاعل بينها وبين
الأدوات الهندسية من ناحية أخرى، وكما بدأت الأدوات الهندسية اليدوية
بالتعريف بذواتها في مطلع المسرحية من خلال استعراض غنائي، نجد أن الحاسب
الآلي بمكوناته يقدم استعراضا غنائيا للتعريف أيضا بمكوناته، وهو نفسه
مضمون الدرس لطلاب الصف الخامس الإبتدائي، وهذا يدفعنا للحديث حول الجانب
التعليمي في أدب الطفل، حيث يجب أن يزخر هذا الأدب بجوانب معرفية بطريقة
مشوقة، بل لعل الهدف التعليمي يكون رئيسا في هذا الأدب النوعي، كما يجب أن
يكون مباشرا سهلا، قريبا من بيئته وذهنه ويطرق على وجدانه لينقش فيه القيم
التي تصنع جيل المستقبل، وتغير وجه الحياة في مصرنا الحبيبة، وهذا جميعه
لمسته في المسرحية الشعرية التي أكدت أن الكاتب مسيطر على أدواته فاهما
لتقنيات ووسائل الكتابة للطفل والتأثير فيه.
• أما من ناحية الرسوم فهي لطيفة ومعبرة، وإن افتقد الغلاف رسوما
لمكونات من الحاسب الآلي حتى يكون الغلاف معبرا بالمماثلة لفكرة المسرحية
ككل.
• وبقي أخيرا أن نشير أن نشر مثل هذه النصوص ورقيًا تحقق هدفا رائعا وهو
غرس القيمة الأدبية في ذاتها، وعشق الطفل لمطالعة الآثار الأدبية والتي
أصبحت موضعا للرثاء في عصر تدهور القيم.
"الرجل الرابع" .. لذة النص وتكسير العجز: خالد جودة
"الرجل الرابع" .. لذة النص وتكسير العجز
المجموعة القصصية لنادر عبدالخالق تمثل الإدارة الوسيطة الهشة التي تنصرف للقشور دون الجوهر، وإلى الشكليات دون أداء رسالتها المنوطة بها بفاعلية.
الأربعاء 2019/02/27
إدانة العقم الإبداعي
اللون القصصي يقوم على مفهوم "لذة النص" من حيث توليد النصوص متعة مغايرة للمعتاد في القراءة، بكسر أفق توقع القارئ،
ثيمة "العجز" تم تجذيرها بتنويعات وطرق أسلوبية عدة، منها طريقة إيقاعية بالتسجيع
مثلت المجموعة القصصية
المعنونة "الرجل الرابع" للكاتب د. نادر عبدالخالق، ذات الطرافة والمغزي،
في تأويلي رمزية "الرجل الرابع" أنها الإدارة الوسيطة الهشة التي تنصرف
للقشور دون الجوهر، وإلى الشكليات دون أداء رسالتها المنوطة بها بفاعلية،
في ظلال الجدل الناشب بين الجديد والعراقة، وإلي تملق الرجل الرابع للرجال
الثلاثة الذين يسبقونه طبقًا للترقيم: "يلهج لسانه بالذكر والشكر لمن
فوقه"، وفي قصة أخرى يتحدث "الرجل الثاني" متملقًا عن الدور والمهام الجسام
المنوطة بالرجل الأول، في رحاب "المنظومة" المتكلسة "غير السعيدة".
وتشكل القصص هذا "النزوع المعرفي" لإثارة دهشة القارئ بمزيج غرائبي مبطن
بالسخرية الناجزة، فالناحية الأسلوبية تعتمد تقنية تقارب "الفنتزة"،
و"الفانتازيا" طبقًا لمعجم مصطلحات الأدب هو النوع الأدبي الموغل في
تخييله، فهي الثوب الذي يرتديه الجسد القصصي لتمثيل أوجاع الواقع المعيش،
مع لمحة تقدير لجهود المواءمة مع الواقع، ومحاولة إحتوائه وتحسينه والرقي
به قدر جهد البسطاء الطيبين ملح الأرض وروائها، والأمر على تفصيل.
واللون القصصي بالقصص يقوم على مفهوم "لذة النص" من حيث توليد النصوص متعة
مغايرة للمعتاد في القراءة، بكسر أفق توقع القارئ، وتحقيق عدم استقراره،
ليعيد إنتاج النص، ومن ثم تبديل واقعه وتحسينه، حيث "الفنتزة" رغم مفارقة
منطق الواقع بالتعبير الفني، فهي تشتغل في منابعها على الواقع ذاته، لتشكل
تلك المفارقة بآلية "المبالغة والتضخيم" خطابًا فنيًا ضديًا للواقع بهدف
تحسينه، لذلك جاءت عتبة الإهداء المصاحبة لتشير إلى المشاركة مع آخر (=
قارئ) قادم لإحداث التغيير المنشود.
القصص رغم وضوح عباراتها، ولذة النص بإجراء مقاربة فكرة "الفنتزة" المبطن بالمبالغة الساخرة، فهناك إشغال للقارئ، وترك مساحات للتأويل رغم الإشباع بالتكرير
وتأتي مفردة عنوان المجموعة نحتًا من عنوان
القصة الأولى "مؤتمر .. الرجل الرابع"، وبالإبحار في قصص المجموعة نجد
دائمًا مثيل "الرجل الرابع" مضمرًا تحت أرقام أو هيئات أخرى، بما يعني
تحويل الشخصية القصصية "الرجل" إلى هذا النموذج الموصوف بسمات اجتماعية
ضارة يهدف القاص لإدانة فعلها، وإبدال نهجها العقيم.
ويغذي القاص مضمار قصصه بالتناص، سواء مع النصوص الشريفة، نموذجًا "طرائق
قددا"، "هل إلى خروج من سبيل؟"، أو التعبيرات الإعلامية الشائعة من مفردات
عواصف العولمة، مثال "الجيل الرابع والخامس من الحروب".
كما يحقق فكرة عين القاص الطوافة التي ترى الشوارع وتمتزج بأنينها، ففي قصة
"ثرثرة على رصيف المنتزة"، تنقلنا مفردة "رصيف" مباشرة لأدب اليومي
المعيش، وأفق الكتابة الجديدة، كما تتوافر بالقصص صخب الأحداث المؤلمة، حيث
تبدلت لحظات القصص المرصودة من لحظة مأساوية إلى مأساوية اللحظة، حيث
المأساوية أصبحت صبغة عامة للزمكان، فأفعال اليومي صباح مساء جميعها مؤلمة
حسب القصص: (المواصلات / الإزدحام / انحسار الدخل / نفي العلمية /
العشوائيات أنفاق مظلمة في قصة "نكزة" / عسر الزواج بمفردة كاشفة: "بعض
الجرامات المعدودة من الذهب الأحمر" / ... إلى آخره من دوال معبرة)، حيث
الصخب واللون والتنويع الأسلوبي في ضمائر الحكي، والمناجاة، والفنتزة،
وكثافة التفاصيل، أدوات فنية للتعبير عن الواقع المعيش المسكين.
وثيمة "العجز" تم تجذيرها بتنويعات وطرق أسلوبية عدة، منها طريقة إيقاعية
بالتسجيع (حاملي الدرجات الفوقية والمواهب الذكية، والخطط العبقرية)،
ويستعمل القاص تقنية التكرار بالإشباع على مستوى لفظي، وصب ملح اللغة
"بعدًا بعدًا، سحقًا سحقًا"، "بعدين، وسحقين"، وتقدم هذه التوابل ملمح
السخرية بدال لغوي للحنق والغضب والأسف لمن لم يلحق بالإجراء السطحي، مثل
اللحاق بالمؤتمر أو عمل "لفة الشال المتقنة"، دون العناية بتحقيق أي منجز
حقيقي، بما يشير لفكرة القاص المركزية وهي السخرية وإدانة "العجز"، وإنكار
عدم الشروع في إزالته، واستسهاله والوقوع في أسره.
والناحية الأسلوبية بالقصص بالجملة القصيرة المشحونة بمفردات موظفة بدقة
تلقي ظلالًا لمعان كثر، نموذجًا في إدانة "المنظومة": "ويخطبون خطبًا عالية
النبرة"، فإضافة إلى الفعل المضارع الذي يشير لديمومة الخطابة، نجد إضمار
الشعارات المخدرة كنبات سيئ السمعة في حديقة المنظومة للنباتات السامة،
ويقارب التخدير طقوس التبتل في رحاب السطحية والاستسلام للعجز، فكأن الشكل
استوفي القضية، فالقصص تذكر أنه قد شكلنا لجانًا واجتمعنا وحرصنا حرصًا
بالغًا على الطقوس والأشكال، نموذجًا: ترتيب الأوراق على الموائد بحرص،
وتدوين البيانات، والسؤال الجمعي صفوفًا صفوفًا ضجرًا، لكن المحصول عجزًا
مضاعفًا، وتملقًا لسادة المنظومة دون فعل ناجز، فالكل يرفع رأسه في اتجاه
المنصة، وتنعقد حلقات الخطابة، والرجل الرابع وهيئته الاستشارية يتوسطونها،
وكأنها كعبة يطوف حولها المريدون في انتظام وهيبة، بتعبير القصص، ويدعم
آلية التشويق بالمبالغة تلك الصفات الطريفة التي تقترن بالشخصيات وتلازمها
لدرجة إسقاط بعض الأسماء أحيانًا، بحيث إذا انتفت صفاتهم تلك تلاشت تلك
الشخصيات، نموذجًا: "الرجل الوافد"، حتى في اختيار اسم الرجل الرابع "أوسام
الطويل" نجد الاسم إشباعًا وتكرارًا لفكرة الصفة الملازمة له بالمنظومة.
كما أن هناك نقض فكرة "المؤامرة" كمشجب نفسي للدواهي، حيث يشير بطريق خفي
أننا في الحقيقة نتآمر على أنفسنا، فتطرح قصة "مؤتمر .. الرجل الرابع"،
الحوار المتعدد من هيئة رسمية برئاسة الرجل الرابع، حيث يسأل أنماط من
الشخصيات سؤالًا: "كيف نواجه المشكلة؟"، فيجيب أحدهم: "أي مشكلة سيدي؟
المشاكل كثيرة"، إن غياب الوعي بضرورة تحرير المشكلة ورؤية عناصرها، وتشخيص
بواعثها وآلامها جميعًا، وترتيب حق الأولوية للحل طبقًا لدرجة خطورتها،
وأن هذا نصف الطريق للإجهاز عليها، هذا الغياب يجسد السطحية الطاحنة،
والعجز في تثمير المنظومة اليابسة.

وحيث
إن المتوالية القصصية تعمد إلى تقديم فكرة قصصية مركزية بتنويعات فنية
متصلة ببعضها البعض، فتكتسب المتوالية بهجتها من مثول الشخصيات "النمط"
وتكرارها كعمود فقري بين القصص، فنجد هذا الشغف بالرسوم والنقوش في القاعة،
والديكور المبهر، والتي حققت فكرة المعادل الموضوعي للشغف بالهوية، دون
تخصيبها بالمعاصر والمنهج العلمي، فيتردي الوعي الجمعي في احتساء مشروب
"العُجب" بالذات المسكر، بما يؤدي يقينا لسحق "الهوية" ذاتها، في مواجهة
المنظومة لعاصفة "العولمة" الحارقة.
ونجد ذات الثيمة بذات الكثافة الفنية، والعناية بالتفاصيل، واللون،
ودينامية الحركة في المشهد القصصي، من خلال الوقفات الوصفية الشارحة، بقصة
"لفة شال"، حيث حضور مفردة القاعة كالاعتياد الفكري في تمثيل القاعة لعقم
الجدل ويبوسة الفكر، وقزمية الفعل، وحيث تقع في ركن قصي بمبني شاهق في
صدارة مباني عملاقة.
وهناك باستمرار اتجاه المنظومة الدءوب نحو قولبة الإنسان، بتوحيد الزي،
والخضوع لمجئ كوكبة "سكرتارية الإدارة والمساعدين والبطانة والحاشية"، وطرح
الأسئلة وحضور المنصة الحاكمة التي تعقد على الدوام الاختبارت.
ونجد العجز مجسدًا في قصة "الجمل والنخلة" ممثلًا في شخصية "حمودي" الذي
لا يواجه عجزه، حيث يمارس التضليل، دون السعي الجاد لنفي "العجز" بدلًا من
تبريره، ونجد العناية بالتفاصيل، والإشباع بالتداعي اللغوي المبهج "ذهبوا
لأطباء النفس والأعصاب والشعور والأحاسيس"، والاهتمام بالقشرة والفخر
الاجتماعي رغم العقم: "القاعة ممتلئة عن آخرها .. والأضواء تفوق كل تصور".
ويبقي أن هناك الإنصراف إلى الجهالة والشعوذة، حيث لا يوجد إيمانًا بالعلم
في الأساس: "قراءته للطالع كانت وراء تجاوز كل هذه الأزمات".
وفي قصة "فايق العارف"، نلاحظ السخرية المبطنة للاسم الذي يحمل نقيض الصفة
الجهولة المجسمة في الشخصية القصصية. والاشتغال الأسلوبي كشأن القصص في
اعتماد التنويع بين آليات سردية، وضمائر السرد، وفي القصة نجد البداية
بمناجاة –حديث الذات القصصية لنفسها - ثم الإنتقال للراوي بضمير "هو"،
وبالقصة يمنح "التأويل" طاقة للتشغيل، وتحقيق إعادة إنتاج النص (لذته)،
فشخصية "رضا" تحمل فكرة الحلم لتثوير الواقع وتبديله، حيث يحضر شخصًا في
حلمه ويخبره بأمور غيبية فتأتي متحققة في الواقع، وتحت إلحاح القلق يذهب
"رضا" للعارف للاستشفاء، فيقع العارف نفسه وابنه تحت ضرس الحلم "النبوءة"،
ونجد "الحلم" وسيلة ناجزة للفكاك من "العجز"، حيث شحن الإرادة لنفيه:
(مقاومة "رضا" وحرصه على الخلاص أكبر من سيطرة العارف عليه، حتى أدرك سبيله
واستطاع الفكاك والإنطلاق إلى خارج المكان).
وفي قصة "فكرية" نجد إدانة العقم الإبداعي، بالحياة الثقافية، والتي تسقط
مضرجة تحت ضرس الوساطة، والإحتفاء بالشكل دون المضمون، والقصة كالمعتاد
مشحونة بتفاصيل وملح لغوي، حيث السيد هاني الفرحان مدير إدارة المعرفة
"الجزئية"، وتوظيف مفردة "الجزئية" هنا لتصك المنظومة الثقافية بالتكلس
والنقص، وتأتي صفة التملق، والمناشط الثقافية العشوائية، وإدانة الإحتفاء
بالحدوتة على حساب القصة الفنية المحدثة، والوقوف والعجب بالموروث الحكائي
دون تخصيبه بذائقة العصر.
والقصص رغم وضوح عباراتها، ولذة النص بإجراء مقاربة فكرة "الفنتزة" المبطن
بالمبالغة الساخرة، فهناك إشغال للقارئ، وترك مساحات للتأويل رغم الإشباع
بالتكرير، فتحقيق القلق للقارئ يضمه ويثوره نحو نقض "العجز"، وتكلس
"المنظومة" لتحقق الفاعلية المرجوة، لواقع أرقي.
ونجد في الخاتمة هذا الاستعمال الدقيق والموفق لعلامات الترقيم، فهناك عزف
في المجموعة بواسطتها، ولا شك أنها ثروة القاص يجب أن ينفق منها بما يدعم
فنه القصصي، وقد كان.
القوس العاطفي الروائي والأسرة العربية : خالد جودة
القوس العاطفي الروائي والأسرة العربية
رواية "أمينة" لإيمان ذهني بها حراك واختيارات إنسانية تعمل على تصعيد الحدث الروائي.
الأربعاء 2019/03/06
الرواي من النوع العليم "المستبد"
"أمينة" حققت مفهوم الحدث: الشخصية وهي تعمل
الرواية ذات ذرى متعددة بحبكة القوس القصصي أو نصف الدائرة المعروفة
لا شك أن المتعة الفنية هي سر
الأعمال الأدبية الناجحة، وقد اتفق قطاع كبير من محبي الأدب ودارسيه حول
أنها تعد من أساسيات النص الأدبي، وقد يتباين الموقف حول الثيمة الموضوعية،
لكن توافر تلك المتعة يجذب القراء ويوحدهم علي تقدير الفن. وتوافرها يتحقق
عبر وسائل منها الغموض الشفيف، وصياغة المسافة الجمالية بين أفق توقع
القارئ والاكتشاف الروائي.
ورواية "أمينة" للروائية إيمان ذهني بها حراك واختيارات إنسانية تعمل علي
تصعيد الحدث الروائي، حيث مسار الأحداث في الرواية حتى فصلها السادس يحمل
كسر أفق توقع القارئ عبر اختيارات الشخصية الرئيسة والمواجهة مع المجتمع.
كما تحقق الرواية فكرة الجمع بين تقدير كل من (الحدث / الشخصية)، بمعنى
منحهما معًا العناية السردية الواجبة، فالعنوان يشير إلى أنها رواية شخصية،
بينما هناك مناقشات لمواضعات اجتماعية مهمة، بالتالي حققت الرواية مفهوم
الحدث: الشخصية وهي تعمل.
إهداء الرواية يشير إلى العنصر السير ذاتي من خلال مفردة "استوحيت معظم
الرواية"، ومفردة الإستلهام من أحداث حقيقية لا يعني أنها سيرة ذاتية، حيث
الروائي يعمد لتخصيب روايته بالعنصر السير ذاتي كما يفعل من خلال عناصر
أخرى، أما السيرة الذاتية الصرفة فتقوم علي الأساس المرجعي الخالص وبوثائق
مؤكدة. وتتباين كثافة العنصر بين عمل وآخر، فالسيرذاتي هنا موقف فني "لمحة
أسلوبية" وليس نوعًا أدبيًا.
جاء توتر القوس نتيجة إيثار ترويج الخاتمة السعيدة، والإحتفاء بعقار الحب الأسطوري رغم العاصفة الاجتماعية
الرواية ذات ذرى متعددة بحبكة القوس القصصي أو
نصف الدائرة المعروفة، بداية من أزمة "أمينة" الأولي مع زوجها الأول
"محسن"، حيث تم عقد الزواج سريعًا تحت ضغط عائلي، ثم مع تدفق الحياة
الأسرية، ظهرت صفات كثيرة لم تكن تتوقعها: "التفكير مختلف، هي تفكيرها طموح
من أجل رفع المستوي المعيشي لأسرتها، وهو تفكيره الاستكانة والسلبية
وفقدان الطموح" (ص 10). وتبلغ الأزمة قمتها بالطلاق لتبدأ ملحمة المحرقة
الاجتماعية للمرأة الوحيدة، وهو الطقس الثابت المؤسف في مجتمعنا العربي
الكبير. لتجد "أمينة" نفسها بين خيارين أحلاهما مر، إما الفرار من المحرقة
الطاعنة بالألم والقسوة واللهيب، وإما الاستمرار والمواجهة. لكن سرعان ما
تستنيم للخيار الأول لتبدأ ذورة روائية جديدة.
الرواي في الرواية من النوع العليم "المستبد" كلي الإحاطة بالماضي والحاضر
والمستقبل، ، ينقد ويمارس التعقيب، ويخاطب القارئ مباشرة: "وكما قلت لكم،
أمينة زوجة صالحة ..". وتصل الهيمنة من الرواي قمتها بفقرة عجيبة في خاتمة
الرواية حارت فيها العقول منتجة من رحاب التداعي: "أتمني أن أكون قد
أسعدتكم أعزائي القراء وأبحرتم معي وغصتم ..." (ص 108).
ويتكافل مع الرواي العليم تقنية المناجاة عبر المؤشرات اللفظية المؤطرة
لها، وهي كثيفة بالمبني الروائي، أمثلة: "بدأت تحدث نفسها" (ص17)، و (ص
22)، "حدثت نفسها وقالت" (ص 24)، "وقالت خواطرها" (ص79).
وجاء النفس الروائي عبر الإبحار داخل الذكريات الصاخبة بالأحداث، والتي
تشكل المتن الروائي، من خلال تشغيل آلة الزمن السردية "تقنية الاسترجاع
الروائي"، أو تسريب القصة الخلفية للشخصية الروائية الرئيسة "أمينة"، ولم
يفطن القارئ لأي وقت تنتمي لحظة السرد الحاضرة. وجاء تجهيز البنية السردية
من خلال الوصف الخارجي والنفسي، وتدشين الأزمة فورًا مع الزوج الأول
"محسن". هذا الإيقاع الروائي السريع أتي بتصعيد الحدث الروائي، وفيه جملة
من المنحنيات والاختيارات الإنسانية والتفاعلات الاجتماعية عبر مفترق طرق.
أما القماشة الروائية فرحبة سخية في مجال مشكلات الحياة الأسرية، فعن العمي
الزوجي نقرأ: "وهو لا يرى ذلك ولا يعبر عنه كأنه أصابه العمي، لا يرى هذا
الجمال الرباني، وهذه الروح الطاهرة أمام عينيه". وعن المرأة العاملة (ص
33)، وعن احتياجات الرجل: "إنت أم ممتازة وزوجة صالحة وجميلة ولكن .. أنا
مش عايز كدة بس .. مش عايز الزوجة العظيمة اللي بتهتم بتربية أولادها
وتنضيف بيتها أكثر من الاهتمام بزوجها .. أنا إنسان إناني عايز زوجة أكون
أنا الأول والأخير في حياتها وبعد كدة أي شيء تاني يكون حتى ولو كانوا
أولادي .. عايز زوجة أشوف فيها كل نساء العالم" (ص 72).
ونقدات اجتماعية أخرى، أوضحها حرق المجتمع العربي للمرأة الوحيدة نفسيًا،
والتنمر لاقتناصها ونهشها بلا رحمة، فهو "الطوفان" بتعبير الرواية، الذي
يجرف المبدأ الأصيل. وهذه الحفاوة بأصول سليمة في التربية القومية على
المبدأ ورعايته، جاء له داله الموضوعي من خلال شيوع مفردة الكرسي المتحفي
"الأنتيك". ورغم أنها - طبقًا للتصنيف الأكاديمي - تعد "رواية قصيرة" لكن
نجد الاستنساخ الروائي بالذروة الروائية الثانية، ووجود منقول شعري، وتدوين
"خواطر" في المتن الروائي.
ومن فضائل الرواية حضور المثل الشعبي "حكمة الشعب" بقوة، سواء بصورة واضحة
"ويا خبر بفلوس بعد ساعة هيكون ببلاش" (ص 28)، "وكأنك يا أبو زيد ما غزيت"
(ص 52)، أو بصورة مضمرة، فالرواية بلسان الحال تقول المثل الشعبي: "ضل راجل
ولا ضل حيطة" حيث الحماية للمرأة الوحيدة من العاصفة الاجتماعية الحالقة.

وإضافة
للمفردات الشائعة من حقل الجنوسة مثال "المجتمع الذكوري"، والتداولي مثال
الأمثال الشعبية، نجد الثوب القيمي وإسدال السائر على الواقع من خلال حلم
الحب اللذيذ الوردي، وترويج الخاتمة الروائية السعيدة "جدًا" وهو الأمر
الذي يبتعد عن جدية وقسوة الطرح الروائي للمواضعات الاجتماعية الشائهة حتى
ثلثي الرواية، لكن آثرت الروائية نفي تعكير الصفو، والرغبة في إسعاد
القارئ، وتحقيق متعته التليدة بذائقة ألف ليلة وليلة العربية، وموافقة أفق
توقعه في الثلث الأخير في الرواية، حيث بلغت القصة ضفاف الحل السعيد. ربما
أتى هذا من رحاب سوق خلاصات وحكمة الحياة: "الحياة رغم قسوتها وآلامها
والوجع الذي يصيبنا منها إلا أننا نعيشها لأننا ليس لدينا خيار آخر" (ص
19).
وأتت فكرة جودة الحياة وتثمير الأمان بصوبة المجتمع "الأسرة" وعمود خيمتها
"المرأة"، بمشهد روائي حيوي بحركية الأمومة العذبة (ص 20) حيث إعداد الطعام
وشئون البيت، وتعويض الأبناء عن الحنان المفتقد بالأب الغائب أو الأم
العاملة، واللعب مع الأولاد رغم التعب، ومشورتهم في أمور تخصهم وأمور
الأسرة والحياة: "وتعالوا يا حبايبي يا قرة عيني جمبي عشان نتكلم في موضوع
يخصنا كلنا" (ص 45)، وفضيلة الاجتماع الأسري على الطعام، بحيث تعد الرواية
"روشتة" وخارطة طريق لإصلاح الحياة الأسرية.
كما ضمت توجيهات جيدة، منها الجلوس والعزلة مع النفس، وضرورة توافر فترة
نقاهة بعد الأحداث العصيبة التي تمر بحياة الإنسان (ص 44). والمرونة في
مواجهة الحياة والصبر عليها: "قد علمتني الحياة أن أصبر وقت الشدائد
وأطاطيء للرياح حتى تمر بسلام لأن وراء كل ضيق فرجًا، ووراء كل طريق مظلم
مصباح يضيئ" (ص 25). والتزين بالترتيب والإهتمام: "وتهتم بمظهرها كثيرًا
حتى تشعر أنها على قدر من الجمال" (ص 28). والجانب الإيماني باللجوء إلى
الله تعالى وسؤاله العون (ص 76).
والقماشة الروائية الممتازة كان يمكن إشباعها أكثر وحياكتها بصورة متمهلة،
والصبر على إنضاجها أكثر برواية طويلة. وفي المقطع السردي السابع حدث
الإنقلاب الروائي بالإبدال التام للراوي العليم وإزاحته تمامًا لحساب
الرواي الذاتي، حيث قضي عليه بالضربة القاضية، بل يقوم بدوره فيما يناقض
طبيعة الراوي الذاتي: "ومن هنا قرر أحمد بينه وبين نفسه أن يقف بجواري
ويتحمل معي المسئولية" (ص105)، إذ كيف أحاطت "أمينة" بالخاطر وهو داخل
نفسه، ولو عرفت من مرآة سلوكه فتعد هنا زائدة.
وتطرح الرواية فكرة "القوس العاطفي" والتي تتصل بالتمييز بين الشخصية
الروائية المتغيرة والأخرى الثابتة، بمعني إبدال قيم ومواقف الشخصية
الروائية، وكونها قابلة للتغيير نتيجة دراما الرواية. وبالرواية نجد إبدال
موقف "أمينة" من حيث الاستجابة لقهر المجتمع والعودة لزوجها "محسن" في أزمة
الرواية الأولي حماية لها من تنمر المجتمع. ثم تمردها وطلبها الطلاق بعد
العودة الثانية. ثم قبولها بأن تكون الزوجة الثانية لأحمد زوجها الثاني،
رغم أن زوجة "احمد" الأولي لم تقصر في حقه، في حين أن "امينة" نفسها رفضت
الاستمرار مع زوجها الأول "محسن" حين أخبرها أنه يريد الاقتران بثانية،
فكأن هناك أمينة أخرى، وجاء توتر القوس نتيجة إيثار ترويج الخاتمة السعيدة،
والإحتفاء بعقار الحب الأسطوري رغم العاصفة الاجتماعية.
وجاءت لغة الحوار في الرواية بالعامية حتى في المناجاة، وهناك رأى أؤيده
حول واقعية الحال لا واقعية المقال كلما أمكن ذلك، بمعنى موافقة السمات
الثقافية للشخصية في حوارها، كما أرى ضرورة تدقيق المفردة والعناية بها،
مثال مفردة "الإنترفيو" في الرواية، وأرى إبدالها بالمقابلة أو اختبار
العمل. كما أتى الإرتقاء لشاعرية اللغة من بابا الخاطرة والنثر الشعري:
"الحب كالنهر يحضنك بأمواجه ويسحبك إلى دوامة الحب حتى تهيم وتسرح فيه".
سيناريو ما بعد الإنسانية والفنتازيا الهجين: خالد جودة
سيناريو ما بعد الإنسانية والفنتازيا الهجين
أحداث نصوص عمار المصري تدور حول عوالم المستقبل التي تحكمها الآلات المتعلمة التي تتمرد على صانعها البشري وتصيب العالم بالخراب الداهم.
الخميس 2019/03/14
ولنا في الحياة خيال
مكون الخيال العلمي يأتي عبر صيغة الممكن والمحتمل
مناقشة مضمرة روائيًا لسيناريوهات المستقبل حول "الذكاء الاصطناعي"
أصدر الكاتب الشاب عمار
المصري الجزء الثاني من سلسلتة الروائية "العالم الجديد"، والمعنونة "عرش
أطلانتس"، والرواية الأولى في السلسلة "ظلال أطلانتس"، حيث تدور الأحداث في
الجزأين حول عوالم المستقبل التي تحكمها الآلات المتعلمة – لا الذكية -
والتي تتمرد على صانعها (البشري) وتصيب العالم بالخراب الداهم.
وتبدو صلة العنوان بالمتن الروائي في كون البطل الروائي "نور" له الشغف
الكبير بكل ما يخص الحضارة الأسطورية المفقودة "أطلانتس"، حيث تم روائيًا
اكتشاف آثارًا لها عند الصحراء الغربية المصرية، وحول مكان هذا الاكتشاف
بُنيت مدينة أطلانتس الجديدة، وتطور الحدث بسقوط الكثير من الأجسام السوداء
الغريبة حول العالم، يصحبها انتشار ضباب مهلك، وعلى أثره تمردت الروبوتات
على البشر بطريقة صادة وفجائية رغم استحالة تمردهم طبقًا لقانون "أزيموف".
ويتابع السياق الروائي بتفاصيل منهمرة وكثيفة في طقس مثير ومغامر حول
مجموعة من الشخصيات البشرية والآلية والهجين أيضًا والأجناس المنوعة. وأتي
التشويق الروائي عبر التفاصيل وطائفة الغوامض التي تم إزاحة الستائر عن
حقيقتها عبر المسار الحداثي السردي بإزاحة الزمن الخطي، والتماس مع
الفانتازيا الكوكبية.
وتمنح شواهد كثر أننا أمام جهد روائي قيم ينتمي إلي عوالم فانتازية، والتي
تسعي لتقريب الواقع الحديث المتشظي - الذي يعاني من الانكسارات الاجتماعية
ودق عنق الطموحات القومية - للقراء بسبل خيالية، حيث تضم أماكن ومجتمعات
وكائنات تنتمي لعالم الخيال الخالص، لتأسيس المنطق الخاص بالنص الروائي.
لكن من جهة أخرى نجد السلسلة الروائية بين أيدينا "العالم الجديد" تضم
مكونا من أدب الخيال العلمي وإن كان العنصر الفنتازي هو الأشمل، ليؤكد أن
توتر وأزمات وتعقيدات العصر، واللهاث التكنولوجي ينفي نقاء النوع الأدبي.
ويأتي مكون الخيال العلمي عبر صيغة الممكن والمحتمل، بمناقشة مضمرة
روائيًا لسيناريوهات المستقبل حول "الذكاء الاصطناعي"، يشير السيناريو
الأول "الإنسان الخارق" حيث استخدام التكنولوجيا والعلوم لتطوير الإنسان
للتفوق على التحديات، ونجده روائيًا عبر التقدم العلمي غير المسبوق
والهيمنة على عوالم الآلة والفضاء والحماية من المخاطر بصوبة أطلانتس
الجديدة. أما السيناريو الثاني حيث الإنسان الذي يخضع لنوع من الآلات
الأكثر منه تفوقًا، ونجده روائيًا بتمرد "الروبوتات"، ويأتي السيناريو
الثالث الوسطي بين سابقيه، حيث اندماج البشر جزئيًا مع الآلات لتشكيل نوع
هجين نصف آلي "سايبورج"، مثله روائيًا شخصية الصيني "كينو رينوس".
وتشتغل الرواية التي ضمت مئات الصفحات في فكرة رئيسة لها حول تمثل أو تناص
مع قصة "أهل الكهف"، أو استعمال "آلة الزمن" عبر تقنية الحلم لنكتشف أنه
كابوس الدمار الواقع، باستيقاظ ثماني شخصيات روائية منوعة فيما يشبه مختبر
سري، يتعرضون خلال بقائهم لتدريبات ومسابقات عنيفة، وإكتساب قدرات هائلة،
فعند يقظتهم لاحظوا تقدم عمرهم: "نور ازداد طوله وأصبح صوته أكثر خشونة
وشعره أكثر طولًا وقد انسدل على كتفيه".
ويعمد السياق السردي عبر الجو الغرائبي الغامض - خاصة مع فقدان الشخصيات
الثمانية الذاكرة الجزئي - إلى التشويق بكسر أفق توقع القارئ، وتخليق
المسافة الجمالية سر متعته، حيث الكتابة في أصلها مباراة بين الروائي في
تأسيس الحبكة وإحكام السرد، وإضاءة الاكتشاف الروائي المثير من ناحية،
وتوقعات القارئ للقادم الراوئي من ناحية أخرى. فنور يقول، والقارئ معه
أيضًا: "أشعر بأننا في دوامة كبيرة"، وفي موضع آخر: "وكينو شعر أن أسئلته
تزداد، فهو لم يجد منذ استيقاظه على هذا الكوكب غير الأسئلة والحيرة"،
وشواهد نصيه كثيرة مثيلة، حيث جانب من الحيرة بسبب الصراع بين أطراف
الرواية، والصراع في حقيقته هو صدام الإرادات، والتي قد يعمد طرف إلى تمهيد
نيراني استباقي بإثارة الغبار والتشويه المقصود لاجتثاث الخصم، وهو أمر
نجده روائيًا عبر تقنيات خداعية، وإرادة للهيمنة على مصائر الشخصيات
الثمانية وتوجيهها وصوغ مصيرها بما يحقق مصالح أحد أطراف الصراع، يقول
"كينو": "يا إلهي لم أعد أدري أين هي الحقيقة في كل هذا الهراء والخداع
المستمر؟ الجميع يلعب بنا كالدمية". ويقول "إيفانونف" صاحب المركز الثالث
في سباق الموت: "حسنًا لقد منعنا الغموض الذي يكتنف كل هذه الأحداث الغريبة
من الاستمتاع بوقتنا".
ومع رحلة الرواية لتفكيك تشبيك خيوط السرد، نجد شغف القارئ لتحقيق التئام
شبكة السرد، لذلك نجد ضرورة منح القارئ جوائز مستمرة لتثبيته وتغذية صبره
لحين التفكيك المنشود، ويأتي هذا عبر تقنية "الإعلان السردي" بتسريب إشارات
موجزة لوقائع من غوامض الرواية، هذا الإعلان يقول ضمنًا للقارئ، اصبر معي
لتكتشف القادم الروائي المثير، نموذجًا: "فرأى نور أزهارًا بجميع الألوان
والأشكال العجيبة التي لم تقع عليها عيناه من قبل"، هذه الإشارة اليسيرة
تحمل للقارئ الذكي أن مكان الحدث غرائبيًا مثيرًا، وأنه يمكن أنه يكون
كوكبًا آخر، الأمر الذي يدعمه مستقبل حبكة الرواية.
وهذا الشأن يعد مهمًا للكتابة الفنتازية البعيدة عن المألوفات والتي تؤسس
عوالم غرائبية كاملة. ويتضافر مع هذه التسريبات المقصودة تقنية التلخيص
الروائي والتي يتم بثها بين حين لآخر، لضم خيوط السرد وتذكير القارئ بها
وإنعاش ذاكرته لبدء مرحلة جديدة، نموذجًا يقول "نور": "ألم يكفيني فقدان
الذاكرة واحتجازي شهورًا داخل هذا البرج الغريب، والآن لا اعرف أين أنا وما
هي هذه المدينة المدمرة، ولماذا تهاجمنا بعض الروبوتات الغريبة؟".
ودرجة الراوي في الرواية فهي الراوي العليم الذي يكاد لا يكون عليمًا، أي
أنه أقرب درجات الراوي العليم قربًا من الراوي الذاتي (ضمير أنا) بسبب
منظور الرؤية السردية، فكل شخصية يصحبها الراوي العليم لا ليقص لنا من
فوائض علمه وإحاطته بعوالم الرواية، بل ليقص لنا من منظور عين الشخصية
ذاتها رغم استعماله ضمير السارد العليم "هو"، نموذجًا: "أكمل طريقه وهو
يتفحص المكان شاعرًا بالاختناق والتوتر في نفس الوقت فأخذ ينظر حوله في
محاولة بائسة منه لكي يجد أي مخرج"، وفي موضع آخر: "وبعد فترة طويلة من
الركض بدون أي يجد أي أبواب أو نوافذ أحس أخيرًا بالتعب فتوقف مكانه". هنا
نجد الرؤية بعين ومشاعر الشخصية نفسها، وليس السرد من بواطن علم الراوي
العليم. وهذا يناسب بطبيعة الحال استراتيجية الراوية القائمة على الاكتشاف
التدريجي للتشبيك الروائي.
وبالرواية هذا الملمح المعاصر لأدب الخيال العلمي العربي، والذي أسسه رائد
الأدب النوعي عربيًا نهاد شريف، حيث الحفاوة بمصر، وتمنيات تقدمها العلمي
المستقبلي، وبالرواية نرى وكالة الفضاء المصرية "سيترا" ترسل السفن
المتطورة واحدة تلو الأخرى للبحث العلمي في أنحاء المجرة، ونرى مدينة
"أطلانتس الجديدة" المصرية حيث تصبح الجهة الوحيدة الصامدة أمام العدوان
الجسيم للروبوتات، فتصبح ملاذًا للبشرية، بما جعلها متعددة الجنسيات.
ويعاضد هذا المنحي فكرة مقترنة حول وجوب قبول
الآخر، وإقرار التنوع الثقافي، سبيلًا لا بد منه للنجاة من عواصف تكتنف
السفين الذي تحيا به البشرية معًا، والرواية حققته عبر سفين كوني وأجناس
فنتازية تعتمرها، فنجد روائيًا فكرة سوء الفهم وعدم التريث للتثبت والغضب،
رغم قول الآخر: "أنا معك"، ففي شاهد نصي: "لكن عقل نور لم يكن يعمل، كل ما
كان يحركه غريزة البقاء"، وهو إلماح إلى أن الظروف الضاغطة تسبب الصراع
وتؤججه، وأن الغضب ثمرة مرة لأخلاق الزحام وضيق التنفس الاجتماعي. وفكرة
التنوع الثقافي الكوني جاء عبر سياق تاريخي مسرود لنفي غوامض الرواية، حيث
عاشت لقرون طويلة الكثير من المخلوقات منعزلة كونيًا فعاشت صراعات مع بني
جنسها وأهلكوا أنفسهم بأيديهم، بما تسبب في فناء الكثير من هذه الأجناس، في
مقابل مخلوقات أخرى لم تنعزل كونيًا وحققت الحوار الحضاري وتوحدت ولم
تتحارب وتعاونت ووصلت لأعلى درجات العلوم، ومهدوا لاكتشاف الحيوات الأخرى.
وإذا كان النص الأدبي يحتوي العبارة اللامعة التي تشكل لافتة النص ونافذته
المضيئة، فهنا نجدها عبر إكسير الخيال المدهش، الذي يحتوي ذائقة القراء
الشباب ويستهويهم، حيث الصراع والاحتراب والتعثر الإنساني يجعل الكائنات
تغيب عن اكتشاف: "لمحة عن حقيقة هذا الكون وما فيه من مخلوقات ومن أسرار
تلهب الخيال والعقل والفؤاد". حيث الفانتازيا وهي الخيال المجنح أو التوغل
في التخييل يعني بطرح فكرة من صميم الواقع الأسيف رغم أنه يبدو أنه أدب
يفارق الواقع بخياله الواسع، لكنها رمزية تساعد على إدراك الواقع،
وبالرواية هناك فقرة مهمة حول الفرار للفضاء: "أنا لم أجد مكاني على هذا
الكوكب البائس المليء بالحروب والكراهية والتفاهات التي لا تنتهي، الجميع
تحركهم الأطماع والمصالح، حروب لا تنتهي، دمار لا ينتهي، معاناة لا تنتهي
ولن تنتهي حتى ينتهي هذا الكوكب، لذا فإن سبيلي الوحيد للخلاص من كل هذه
الآلام هو الإبحار بعيدًا حيث العجب العجاب وحيث تلتقي النجوم والكواكب
تسبح بلا توقف في سلام وهدوء وسكينة"، ويأتي صوت روائي يحدث "نور" المأسور:
"فأنت بيدق في هذه الحياة للأنظمة العالمية والمحلية فلا مفر .."، لذلك
كان طريق الهروب الحتمي والوحيد من الواقع المنتهك هو طوق النجاة "الخيال"،
تقول لنا الرواية "ولنا في الحياة خيال".
الجمعة، 1 مارس 2019
خالد جودة: العصر الذهبي للديليفري”: قطوف من أدب الرمز والعجيب
خالد جودة أحمد
يعني
الرمز معجميًا الإيماء أو الإشارة، أي يحمل التلميح دون التصريح، لذلك
أقبل الأدباء علي تخصيب نصوصهم بمعطيات تمنح التأويل في رحاب الرمز، وقد
ُيستعمل الرمز في ناحية الإغراب الذي يثمر أدبًا ينتمي للعجيب، يقول
“الجاحظ” عن مرحلية هذا النوع الأدبي الفريد: “إن الشيء في غير معدنه أغرب،
وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف،
وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع”، والعجائبي في قصص
“العصر الذهبي للديليفري ” للقاص “أحمد عبد الرحيم” يعبِّر عن موقف فني في
القصة القصيرة ينتمي إلي تسريبات معطيات فنتازية لقص واقعي تمثل “الواقعية
السحرية”، إضافة إلي تقنيات قصصية منوعة.
أولي
تلك التقنيات القصصية استعمال “واسطة العقد القصصية”، والتي تعني نقطة
ارتكاز للتجميع لعدد من حبات العقد المنظوم “النص”، بمعني أن عدد كبير من
قصص المجموعة تشتمل تنويعات أو وحدات “حبات العقد”، لكن هناك مرتكز تنتمي
إليه هذه الجزئيات، والشواهد ُكثر: المزروعات وآفاتها في قصة “المزرعة” وهي
قصة عجائبية تطرح تعثر الفعل وغياب البوصلة ومراوغة الغايات، لأسباب عدة
منها النفسي “الملل”، ومنها الاجتماعي “الآخر”، ومنها العام “تدهور الإعلام
والنقد”، أما واسطة العقد فتمثل في “التنقيب عن أسباب للسعادة”، حيث تقوم
شخصية القصة بزراعة خمسة عشر صنفًا من أصناف مزروعات ثم يتم تركها لأسباب
منوعة، أمثلة منها: (زراعة ملابس فاخرة. سبب متخيل للسعادة: المظهر. سبب
الترك: الذئاب تلتهم المحصول أول بأول)، (زراعة الأصدقاء. سبب متخيل
للسعادة: الصداقة. سبب الترك: الخيانة، الأموال / السرقة)، وهكذا تكون
القصة رامزة لفكرة البحث عن السعادة المفقودة. الصنف الأخير زراعة الفراغ
والتهامه ليكون الإنتفاخ. ونموذجًا آخر: تشكيلات المخلوق في قصة “المخلوق” –
والذي ليس له اسم أو شكل معين – حيث الانقسام علي الذات بما يحقق
اغترابها، وغياب الحب الصافي الخالص، أو التصحر في التواصل الإنساني يقول:
(الكل مشغول بحاله ولا وقت لديه)، حيث تستهل القصة الحكي بزيارة ابن العم
الذي يحمل هدية لكنه جاء لقضاء مصلحة، لذلك كانت الابتسامات المصطنعة لأنها
(لم تكن كاملة الصدق)، ثم يبزغ المخلوق في أفق القصة بعد أن فقد بطلها
الحب، ودال حالة الإغتراب البدانة أو الإنتفاخ ( البدانة كانت بعد موت أبي
والذي تركني وحيدًا بعد رحيل أمي قبلها بعام)، وحيث رحلة الذاكرة وتمثلها
العبارة الدقيقة الحانية للأم ( وأنت من أهله يا حبيبي) كنسمة دافئة تمده
بالأكسجين الوفير والنوم الوثير، وجزئيات القصة جاءت في تشكلات المخلوق
ودوال لها طبقًا لتأويلي، وأمثلة لها: (كلب مرعب / الخوف)، (كيان وطيف
أبيض شفاف / الإبداع)، (حمامة صفراء / الحزن)، (سيدة عجوز ترتدي السواد /
حزن)، إلي آخره، وواسطة العقد هنا تمثيل حالات متعددة للنفس المغتربة التي
تفقد التواصل الإنساني الكريم. ونموذجًا ثالثًا: البدانة وإحتوائها للحيز
“البيت” كفكرة فنتازية ساخرة، في قصة المركز “العصر الذهبي للديليفري”،
تمثل واسطة عقد لجزئيات رامزة للخمول ونفي الفعل والانكسار والتشتت،
ونموذجًا آخر بقصة “النموذج”، حيث حبات القصة مثلت أنواعًا منوعه لخلايا
يتم تركيبها في المرأة المصنوعة “النموذج” لتنتج خصالًا منوعة، ومغزي القصة
نفي عوامل التصحر الأسري، بمعني أن إرادة الكمال في العلاقة الزوجية ليس
أمرًا صحيحًا أو ناجعًا، وواسطة العقد “حسن المعاشرة” فإن سخط الزوج من
زوجته خلق رضي منها بآخر. وهكذا يمكن تشغيل فكرة واسطة العقد القصصية علي
باقي قصص المجموعة، ولذلك يشعر القارئ بالإشباع لكون القصص تمور بتنويعات
كثيفة رغم أن غالبية القصص لا تزيد عن الصفحات الثلاث أو أقل.
وتتراوح
قصص المجموعة بين الواقعية الفنية المحضة، والواقعية السحرية، والمحاكاة
الساخرة، بما يمنح دال كثافة التجربة القصصية وتنوعها، واستعمال واسطة
العقد القصصية، مما أدي لعمق التناول وسخاء الأساليب الفنية. ومن قصص
الواقعية نجد قصة “خير الأصدقاء” وهي قصة مهمة في تأطير مغزي المجموعة
القصصية، حيث مثَّلت كنز القصة بالتعاطف الإنساني النبيل (قاعدة القصة
الذهبية: “لا تذهب بعيدًا عن الإنسان وأنت تكتب القصة”، أو كما يقول
“واسيني الأعرج” للقاص: “تحسس الهشاشة الإنسانية الدفينة لكي تحرِّك
مواجعنا وأشواقنا كقراء”)، وهي تذكرنا بقصة (لمن أشكو كآبتى؟) لتشيكوف، حيث
احتوت لحظات مضيئة إنسانية من البوح والإفضاء في لقاء عابر بين راكب
التاكسي وسائقه، ورغم ذهول الوقت ونحره لكنها كانت دقائق قيمة من الحياة
يقول: (عبرتنا نسمة باردة شقية) في جو معبأ بالصهد، والمأساة أنه لقاء عابر
ولحظات منقصية، وأن صديقه الذي توحد معه (وشعرت أن دمنا واحد) تركه
سريعًا، والمفارقة حادة في القصة وتأتي في الخاتمة حيث يعي القارئ المأساة:
(في النهاية، أشار لي والإمتنان عيناه: “إنت راجل طيب”، أجبته: “إنت راجل
أطيب”، ثم حاسبته، خارجًا من التاكسي متجهًا في طريق، بينما يتجه هو في
الآخر)، وقدمت القصة أن التواصل الإنساني يحتاج إلي التعاطف والحجاج، لا
إلي الغضب والجدال، لذلك حقق منجزات هائلة في أسرع وقت، فقد ألتقي الراوي
بصديقه (ودمي يغلي) ثم التحول: (وفي لحظة، ارتخي ظهري، وخيّم الإطمئنان علي
نفسي)، وأيضًا حرص الصديق علي صديقه وتبادل النصائح القيمة: (ألا أصحب
هموم البيت للعمل) نصيحة السائق للراكب الذي قبل بها، و(أني لا أعتقد صدق
ما سمعته) ونصيحة الراكب للسائق في ضرورة التوثيق قبل إصدار الأحكام، ثم
الحجاج (أكد اقتناعه بما لا يحتمل جدالا). وتقدم القصة الخاص بهموم حياتية
يومية وتنمر عاطفي واجتماعي عاصف ومرير، والعام بصورة آملة رغم جهامة نفي
الفعل في القصص: (إن الغد يحمل نهايات تدريجية لكل ما نقاسيه، ونظن
استحالته، واتفقنا أن الشعب – مع ذلك – سيتغير وإن كان هذا في عمر آخر
متقدم لن نعيشه)، ومغزي القصة ومركزها في تأويلي: أننا نحتاج إلي التفاهم
والإنصات والتعاطف والتقدير والنصيحة والتواصل الإنساني الدافئ والمثمر.
والتصحر
العاطفي فكرة مركزية في القصص في عصر التشيؤ والآلية والمادية، وقدم لها
تنويعات خاصة في الأسرة، في قصة “سهرة”، حيث (بعد اندفاع حار، ذقنا فيه
ربيعًا طازجًا منعشًا، عادت لها بدانتها، وعاد لي تجهمي، لننام تحت صورة
زفافنا المعلقة فوق الفراش منذ أعوام)، وفي القصة نجد حضور الحواس. وفي قصة
“الجهاز” حيث المعمل الذي يقصف عمر “الأب” يمثل رمزية للدنيا الشاغلة عن
الرعاية العاطفية للأسرة، واستدعت عندي القصة مقولة من الطرافة الداكنة “إن
الإنسان يقضي عمره كي يقوم بتدبير أموال لشراء أجهزة توفير للوقت!”، ويأتي
تعقيب القاص في الخاتمة (ما رأيكم .. أليست قصة خيالية؟!)، وهنا نجد إزاحة
الراوي وحضور المؤلف بشخصه ليتحدث مع القارئ ليؤكد مغزي قصته. وحضور الآخر
قويًا في القصص (صديق / زوجة / جار / مدير / عابر / …)، وتمثلات حالات عدة
في الصلة مع هذا الآخر بين الإدبار والإقبال، والعزلة والإجتماع، لكن يسود
معظمها انقطاع البث الإنساني.
والتصحر
الإنساني ثمرة مرّة من ثمار نفي الفعل في القصص، حيث فكرة الإختباء من
المجتمع “السلبية”، والإنطواء عن أهوال الواقع وعواصفه الداهمة، وديليفري
التغذية النفسية الممرضة، والشيخوخة النفسية، وتمثلات نفي الفعل صاخبة بقصص
المجموعة ترقي لهدم الروح تمامًا، والشواهد النصية ُكثر: (رأيت في لحظة
تجل مليون فجر صافي في الطريق، ينكسرون – جميعًا – لغروب كله غيوم، غيّرت
ملابسي واتجهت في سعادة عظيمة للنوم)، (ثم لم أكتب شيئًا)، (لقد قاربت
نسيان فعل التكلم). ودائمًا نجد الهروب إلي القوقعة أو الانكماش في البيت
والوحدة: (عدت إلي منزلي)، (عدت خائبًا إلي منزلي)، (عدت إلى صمت البيت
الثقيل، وفراغه الشاسع). والقصص تجمل الإدانة لشخصيات تعامي العزلة والعجز:
(يظل يغني بصوته الأقبح من العجز. متي سأنهره “أخرس”؟)، (الحب الذي لا
يملكه الابن المراهق، والمشروع الاقتصادي المريح الذي عاش يحلم به الزوج
ولا يحققه). و”البدانة” أو “الإنتفاخ” دال نفي الفعل في القصص، وتضخم غدة
“الكسل والعجز”، وقد يكون مغزي قصص كاملة تمثل كلي لهذه الفكرة، ففي قصة
“الكنز” نجد نوعًا من العجز بالجهد غير المنتج، حيث يسفك الإنسان دماء
حياته وجهده سعيًا وراء وهم، وبالقصة ملمح فنتازي بعبور البحور السبعة،
ومحاربة التنين الأحمر، ومجاوزة أرض البراكين، ورغم علم شخوص القصة
بالخاتمة وأنهم لم يجدوا كنزًا سعوا أليه بل بطاقة تشرح لهم إما المضي
لمسالك أخري، أو إعادة الرحلة ذاتها ليصلوا لذات النتيجة، فاختار أكثرهم
العودة والبدء ثم الوقوف علي طلل الطموح الذبيح “الوهم”، كلون من ألوان نفي
الفعل. وفي قصة اسمها “اسمها” تحكي نفي الفعل لكن هنا في حالة متفردة هي
حالة الإبداع، حيث استغرق المبدع في البحث عن اسم الشخصية في عمله الأدبي،
وسقط في الانشغال بالماضي والاستسلام للقيود في اختياراته للاسم، ثم نسي
فكرة القصة نفسها في الخاتمة، وقضي علي إبداعه. وفي قصة “العاشق الخارق”
نجد ثنائية الرقة والقوة، حيث العاشق لا يقاوم ويبكي علي الطلل، ويستعذب
(البكاء الحلو والنبضات الطازجة)، رغم أن سر قوته قبلة الحبيبة لكنه يتركها
للقاسي الخارق الأعمي الذي يسحق الأبرياء، ونجد بالقصة نفي الشوك للورد،
واستلاب الإرادة تحت شعار زائف من رضا الحبيبة.
وينعكس
نفي الفعل أيضًا بالقصص لفكرة التسليع أو الآلية أو القولبة للإنسان،
وتنميط روحه، وتحوله ذاته لسلعة مستهلكة، ولها دوال كثيرة بالقصص منها
(البدانة المعجزة / الإنتفاخ / الشلل / سلب الروح “كيف العيش وروحك مسروقة
منك؟” / النوم / التقوقع والعودة للبيت / الجمود والتثليج / التشوين “واضطر
المليونير إلى العودة لحياته، مع تشويني في مخزن ما، لم أقدر أن أهرب منه
لرصيفي القديم، لأن أطرافي تجمدت بالفعل” / إلي آخره). ونجد فكرة معروفة عن
أنسنة الأشياء، والكائنات غير الإنسان، للتعزي عن تشيؤ الإنسان نفسه، بل
حدث انتقال ثالث وتطوير مفزع بالعودة لتشيؤ الكائنات المؤنسة للتعزي بها،
فيكون الاغتراب مركبًا والمحنة ماحقة، ففي قصة “الجسر” التي تقدم التحول في
المجتمع الزراعي المنتج، نجد الحيوانات المؤنسنة (البقرة الطيبة والدموع
في عينيها)، و(الجاموسة تشيح بوجهها وترجو الخلاص) تتحول إلى آلات فاقدة
الحس: (البقرة إلي عربة نصف نقل / العنزة إلي توكتوك / الجاموسة إلي سيارة
لوري)، فحتي العزاء عن آلية الإنسان وتسليع مشاعرة تم سحقه بالتحول للآلية
مرة ثانية، وخاتمة القصة ممتازة للحظة تنويرها حيث اصطحبت شخوص القصة كل
آلية (وخرجوا إلي الطريق الزراعي والهواء يثير غبارًا صحراويًا عنيدًا)
ليكشف عن الإنسان والوطن جميعًا.

وتسريبات
الخيال المجنح للواقع لا تخفي عن العين القارئة، ونجد أكثر القصص متشربة
بالأسلوب الفني المختار. كما نجد قصة الرمز الكلي “الكناية” أي يرتقي
ويتعملق الرمز في القصة لتكون القصة كلها كناية، مثال قصة “النمر”، حيث
النمر في تأويلي بالقصة هو الكراهية أو الغضب كمادة كاوية تأكل في الأناء
الذي يحتويها أكثر من الأناء الذي تصب فيه، وحيث التنمر الاجتماعي “ضيق
التنفس الاجتماعي”، والنار التي تأكل بعضها، ولحظة تنوير القصة أتت
بالخاتمة: (لكني اكتشفت أني لم أحضر أي طعام للنمر طوال اليوم فانقض علي
وأكلني). ونجد حضور الهامش الاجتماعي، ففي قصة “شراء جريدة الغد، الليلة”
رمزية لمفارقة الافتراضي واختبائه من المجتمع: (وركبتاي تصيحان ألمًا لفراق
الكرسي والمكتب والكمبيوتر) إلي الواقع (الشارع مظلم)، واستعمال مفردات
موحية (السواد / الموت / الصمت / البرودة / القتامة / …)، ووصفًا لمظاهر
عشوائيات، لتكون القصة رمزًا شاملًا لهذه الحالة البائسة.
أما
قصة المحاكاة الساخرة التي تعني عملًا أدبيًا يحاكي مصدرًا وفي ذات الوقت
يعارضة بطريقة ساخرة في المعالجة، فنجد نموذجًا لها قصة المسلسل الأجنبي
“صابون إلي الأبد”، حيث التلميح إلي قوة تأثير المسلسل الأجنبي المئوي
الحلقات في الذائقة والسلوك الاجتماعي، رغم أن مادته الثقافية لا تناسب
هويتنا، وبالقصة فكاهة الإفتتان بالأحداث الممطوطة غير المعقولة وغير
الهادفة لحبكة أو قيمة، وحيث التزحلق علي صابون العبث والتخدير الفني.
ونموذجًا آخر قصة (0001) حيث محاكاة ساخرة لخدمة الطلب الهاتفي لسلعة
الصداقة، وتسليعها، حيث الاختيارت لمواصفات صداقة معيارية، وتربو السخرية
(… وانشغل الخط بإعلانات عن الشركة، وعرض لزوجتين كسولتين بنصف الثمن،
وقريب مزعج مع ساندويتسات هدية، وابن سارق فوقه خطوط موبايل ُمخفضة).
أما
بشأن اللغة فقد أتت عبر راوي ذاتي غالبًا بالقصص حيث يسرد همومًا وآلامًا
خاصة وعامة، يحتاج معها للبوح. والحوار ليس ممسرحًا، ولكن مشغولًا في نسيج
السرد ذاته من خلال إنتقاء العبارات المهمة والمحمورية والمؤثرة والتي تشكل
الحدث، وبلغة عامية غير مبتذلة. كما أتت تعبيرات فيها مجاز، ومن الأمثلة:
(طبطب علي حزني)، (أمتص غضبي بإبتسامة رءوم)، (لماذا يموت هذا الشارع
مبكرًا؟)، (الشارع المتعفن الجثة)، (كنت أبكي بكاءً متقدًا متصلًا)، (..
بتردادت صوتية تمضغ وجودك بأنياب قاطعة)، (البهجة الناصعة)، (لتلين أوقاتي،
وتسافر همومي). كما نجد عبارات شعبية لها تداولية جارفة: (وخرج من المولد
بلا حمص) عن سوبرمان لدي حرمانه من الميراث بقصة “أحزان”.
ورغم
نفي الفعل، ومرآوية الواقع ومرارته، نجد شعاعًا من امل، ففي قصة ذات اسم
دال “صباح الخير” حيث (هذا الرجل يملك تلالًا من الطيبة، وشلالات من
المحبة، وعددًا لا يحصي من شموس بانواع متباينة)، يميل إلي فعل يرتكن للشعر
والإبداع ليظل الأمل حيًا: (في جلستنا بدكانه، كان يترك باب مخزنه الفسيح
مفتوحًا، لتتوهج شموسه، وتنطلق أشعتها عبر الممر، وضاءة دافئة، إلي كل
أرجاء الشارع).
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة
قرأت لك: رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة 1. الحكاية: تحكي الرواية عن عالم في الهندسة الوراثي...
-
قرأت لك من أدب الخيال العلمي : رواية الكوكب العجيب : د/حسام الزمبيلي ======================== في منتصف ليلة الخامس من ذي القعدة 2115ه...
-
بطل عملية ""الكربون الأسود"" يعود لمصر.. عبدالقادر حلمى زار القاهرة بعد ٢٥ سنة إقامة جبرية فى أمريكا ...
-
السيرة الذاتية للدكتور حسام عقل بقلمه : ************************************ فأنا حسام محمد السيد عقل من مواليد محافظة الغريبة، و...
