الثوب القيمي والإبداع الشعري للطفل
أحداث مسرحية عبده الزراع الشعرية للطفل تدور داخل "مقلمة" الطالب الصغير فهمان.
الجمعة 2019/02/22
تدور أحداث المسرحية الشعرية
للطفل والمعنونة "القلم المغرور" للأديب عبده الزراع، داخل "مقلمة" الطالب
الصغير "فهمان"، حيث يغتر القلم الرصاص على بقية أدوات الكتابة، ويرى أنه
أفضل منهم جميعا وأنهم بدونه ليس لهم قيمة. ثم ينتقل الصراع بين أدوات
الكتابة والهندسة اليدوية والحاسب الآلي، حيث خطر الإحلال لها.
ومقاربتي في إطار تفاعلي مع النص المتماسك تشير بداية إلي قصدية الأديب من
خلال مسرحيته الشعرية إلى تحقيق أهداف تربوية وتعليمية في آن واحد، ويستهدي
بذلك بطائفة من الأدوات والوسائل الفنية، ونوضح ذلك كما يلي:
• شخوص المسرحية مفردات متصلة بالطالب الصغير، وهنا أنسنة أو شخصنة
الأشياء، وهي فكرة مشهودة وشهيرة في ميدان الكتابة للطفل، إذن القرب للطفل
يكون من خلال الحديث حول بيئة يحياها وأدوات يتعامل معها، بما في ذلك
الأدوات الحديثة كالحاسب الآلي.
• المشهد الغنائي وهو القالب الفني الذي أراده الأديب ليكون أقرب لذهن
الطفل، وألصق بوجدانه، وهو يبدأ منظره الأول ص 6 من المسرحية بأن تقوم كل
أداة من الأدوات الهندسية بتعريف نفسها، وفي إطار هذا التعريف توضح كل أداة
مهمتها، وفي ذلك التمهيد لفكرة "فريق العمل" أو تكامل الأدوار، وهي ذات
الفكرة الإدارية المهمة التي يقوم عليها علم الإدارة الحديث بالانتقال من
الهيكل الإداري التنظيمي التقليدي إلى الهيكل المفرطح باختصار عدد من
المستويات الإدارية، أي الإنتقال إلي "اللاهيكل" وهي السائدة في عالمنا
المعاصر لكل الشركات الكبرى الناجحة، لذلك تغرس تلك المسرحية من خلال نسقها
الغنائي وفكرتها الأساسية هذه القيمة ليخرج لنا جيل جديد للمستقبل يؤمن
بتلك الأفكار التي تحقق النجاح والتقدم.
إيقاع المسرحية متوازن بحيث تم تقسيمها مناصفة بين مشهد تفاعل الأدوات الهندسية، ثم طارئ حديث بقدوم الحاسب الآلي بمكوناته، والتفاعل بينها وبين الأدوات الهندسية من ناحية أخرى
• ومن خلال التعريف أيضا نجد اللمسة الوجدانية للوطن، والتي تغرس قيمتة في فؤاد الطفل:
"القلم: أنا القلم: / بسني بارسم ف الخطوط / أرسم بيوت تبقى وطن / ارسم شموس وأرسم علم".
• الحوار بين الفرد والمجتمع والذي يقوم بدور تربوي مهم بعزل والضغط عن
المفارق لقيم هذا المجتمع الصحيحة حتى يعود مرة أخري إلي طريق الصواب
ويقارب قيمها الثابتة، وتلك الفكرة مهمة إذ عليها يدور مدار الإصلاح جميعه،
بمعني أن غرس طائفة من القيم الراقية في نفوس أطفالنا وفي وسائل التدريس
تؤدي بذاتها دورا ذاتيا في إصلاح العطب من خلال الضغط الجمعي، سواء من خلال
سخرية المجموع بالقلم المغرور، أو بالتوضيح والإفهام له من الأدوات
الأخرى، أو بالتجربة المشاهدة، والتي تحمل البرهان مثل المباراة والتحدى
للقلم بقيامه بمهام الأدوات الأخرى.
"الجميع: (يضحكون) ها ها ها ها هاي يادي الفشل يادي الفشل".
وفكرة الضغط الجمعي لتصويب الخطأ من أوضح ما يكون في نسق الفكرة.
• وبالمسرحية العبارات الكاشفة له أو لافتاته الملخصة، والتي تغرس قيما
تربوية تؤكد على أخلاق رفيعة مثل العطاء والتعاون، والتي نحن في أشد الحاجة
اليوم لغرسها في أجيالنا الناشئة:
"المسطرة: لأ يا جماعة مش كده .. الموضوع مش مين أحسن من الثاني .. المهم إننا كلنا بنكمل بعضنا".
ويتكرر مفهوم إحنا بنكمل بعض: "البرجل : (..) مفيش غنا عن بعضنا".
• أيضا التناص الدائر في آفاق المسرحية والذي يأخذ عبارات مباشرة من
أغاني مشهورة، يجعل الفكرة قريبة من الطفل: "البرجل: أيوه وتقعد تغني لنا
(يغني بصوت غليظ) بتسأل ليه على .. ما لكش دعوى بيا ..".
وأيضا: "الويندوز: زعيم إيه اللى أنت جاى تقول عليه!! إنت تعرف قبله معني الزعامه إيه !!".
لكن في مجال هذا التناص توقفت رافضا (وأرجو أن يسمح لي النص بممارسة هذا
الحق كقارئ) على المستوي القيمي لمشهد معاكسة البرجل للكىيورد وهو مشهد
طالما جرى ابتذاله على شاشة التليفزيون من خلال عشرات الأفلام المسرحيات.
وعلي نفس الوتيرة قيام الأم بتقديم كوبين من الشاي للأستاذ والطفل، إذ أنه
لا يجب أن يشرب الطفل (السن من 8 – 12 سنه) شايا، وهو من المنبهات التي يجب
أن يبتعد عنها الطفل.
• كان الاختيار المباشر لاسم البطل (فهمان) يمثل الخطاب المناسب للطفل،
وتأكيد أهمية الفهم والذي يرقي عن الذكاء بتوظيف الأفكار لإدراك جوهر
الأمور، ورعاية مناسبة الحال.
• تناقش المسرحية أيضا فكرة الغرور وتتوغل داخل نفسية المتكبر، وتبين
تهافت ما بستند عليه من تعظيم ذات والاستعلاء بها على الآخرين فهنا منحى
نفسي، يقدم للطفولة بلغة سهلة واضحة قريبه من وجدانه.
• هناك أيضا مسحة فكاهية تسعد الطفل الذي يعشق المرح والتسلية، من خلال
أداء كوميدي لبعض الأدوات أو من خلال مشهد الأستاذ "خلوصي" والذي اختار له
الأديب اسم له جناس ناقص مع خصوصي، والتي تؤكد إدانة ظاهرة الدروس الخصوصية
وجشع بعض المدرسين، كما تلمح من طرف خفي لتهافت العملية التعليمية
وانهيارها.
وبرع الأديب في استخدام تقنية التكرار للخطأ في اسم المدرس بين الطفل
(فهمان) وأمه، وقد تبدو قضية التكرار من التوابل الفنية والتي يجب استخدمها
بحذر في أدب الكبار، بينما جاءت هنا باحتراف وفهم لطبيعة الطفل والتي تزيد
سعادته وتفاعله مع المسرحية.
• وهناك إشارات أخرى لشئون وقيم أخرى مهمة تتصل بالعملية التعليمية،
كالتحفيز للطالب من خلال تقديم الوعد له بمكافأته حال تحقيقه مستوي دراسي
معين، وبالطبع هي من ألزم الأفكار التربوية منذ القدم، وطبيعة التطور،
مثال: الحاسب الآلي، وعلاقة الرقمي بالورقي والتكامل بينهما في فهم صحيح
لتكامل الأدوار. أيضا اللغة العربية وأهمية تنقية الحديث من شوائب لا تتصل
بها، والحقيقة أن هناك من يتكلم لغة مشوهه (هجين) بين اللغة العربية
ومفردات من اللغة الإنجليزية:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق