تهتم هذه المدونة بالنظريات العلمية وأدب الخيال العلمي.والمناسبات والمسابقات الأدبية بصفة عامة
الجمعة، 10 مايو 2019
أشرف فقيه.. من السعودية، يكتب: من يكترث للخيال العلمي العربي؟
لأبعد مدى - المصدر: موقع (تكوين)
السؤال: هل يوجد أصلاً خيال علمي عربي؟
هذا السؤال -الاستفزازي- يأخذنا للمواجهة العتيدة قبل عقود بين نجيب محفوظ وأحمد عبد السلام البقالي. حين ذكر الأديب المصري الكبير أن الخيال العلمي لا يعد أصلاً أدبًا، فضلًا عن أن يكون له وجود معتبر على الساحة العربية. طبعًا سارع البقالي لتفنيد هذا القول جملة وتفصيلًا، مستشهدًا بجملة من الأعمال العربية التي تنتمي لهذا السياق ومن ضمنها الرواية التي كتبها هو شخصيًا؛ (الطوفان الأزرق – 1976).
قد نختلف أو نتفق مع نجيب محفوظ، على أساس أن تعريفه لمفردة “الأدب” قد تتعارض مع طبيعة ما يُطرح تحت بند الخيال العلمي عمومًا. أنا شخصيًا أختلف معه وبشدة. لأن واقع الأدب الإنساني اليوم ينسف فكرته، وإذا كان ما يُكتب كخيال علمي ينتمي لفرع العلوم بزعمه، فإن الرواية التاريخية لا تنتمي -وفق المنطق ذاته- للأدب، كما وأن السيرة الذاتية هي محض تاريخ!
لكننا وبعيدًا عن المرافعات النقدية سنجد أنفسنا في مواجهة حقيقة لم تتغير، وهي أن ما يُقدم كـ “خيال علمي” عربيًا هو شحيح وركيك في معظمه، ولا يحظى بتقدير واسع يجيز له المنافسة على جائزة (البُكَر) مثلاً. ما يأخذنا للسؤال الأكبر: لماذا؟
♠ كثير من الخيال.. قليل من العلم:
كثير ممن يؤكدون على “أصالة” الخيال العلمي في الآداب والفنون العربية يستشهدون بأعمال من قبيل (حيّ بن يقظان) و (منطق الطير) التي ظهرت في العصور الوسطى كأدلة على سبق الحضارات الشرقية في هذا المجال الإبداعي. والحقيقة أن هذه الاستشهادات بالذات ما هي إلا أدلة على تشوش مفهوم الخيال العلمي لدينا. فتلك الأعمال، مثلها مثل (ألف ليلة وليلة) و (كليلة ودمنة) ما هي إلا “مُتخيلات” مبنية على أساطير. بل إن كل عمل إبداعي ينطبق عليه هذا الوصف. روايات نجيب محفوظ هي أعمال من نسج خياله، ومسرحيات سعد الله ونّوس هي من نسج خياله. محفوظ وونّوس استندا للواقع وللبيئة المحيطة في كتاباتهما المتخيلة، ومؤلف ألف ليلة وليلة استند لكمّ تراكمي من الخرافات والمرويات الشعبية ليخرج لنا بعمل يسعى لأن يعقلن أو يؤصل للمجهول. والذين يقارنون ثيمة (بساط الريح) بـ (ستار تريك) على أساس أن الاثنين ينتميان لذات الجنس “الخيالي” ينسون شطر “العلم” في الخيال العلمي! العلم هو عكس الأسطورة. العلم نقيض الخرافة. العلم يفكك أسرار المجهول ولا يبني عليها. فكرة بساط الريح ليست علمية لكنها فانتازية غرائبية بامتياز. وإن كان الأدب العلمي والعمل الأسطوري يتشاركان في تحقيق قيَم الإبهار التي هي في صميم أي عمل إبداعي مُحكم، أدبي أو فني.
ما هو تعريف الفكرة العلمية إذن؟ وهل ينبغي أن تحتوي رواية ما على معادلات وأرقام كي تصح نسبتها لجناب العلم التخيّلي؟ حين كَتبتْ الكندية مارغريت آتوود روايتها The Handmaid’s Tail وتلقاها النقاد بترحاب كبير كعمل (خيال علمي) بديع؛ غضبت الكاتبة وأطلقت تصريحها الشهير: الخيال العلمي فيه مسوخ خضراء من كواكب أخرى، روايتي أنا تستشرف المستقبل.
سوء الفهم لاحق الخيال العلمي إذن شرقًا وغربًا. وإذا كان “استشراف المستقبل” لا يفي بجعل عملٍ ما منتميًا لفرع الخيال العلمي، فلعلنا نقرّ بأن هذا الاستشراف -التنبؤ بالقادم- واكب أعمال الخيال العلمي منذ بداياتها التاريخية. كنمط تفكير ومنهج لقراءة زمن الحداثة. وإذا أخذنا النصف الأخير من القرن العشرين تحديدًا، فسنلحظ أن كتابات الخيال العلمي التقليدية التي تحولت لكلاسيكيات قد كرّست لهموم الغرب الصناعي آنذاك؛ هاجس الحكومات الشمولية، رعب حروب نهاية العالم، أحلام غزو الفضاء وشطر نواة الذرة، قبل أن تفقد هذه الثيمات حرارتها وتصبح مسارات مكرورة للحبكة الخيالية العلمية. ولعل في هذا التبرير المغمغم كذلك ما يشرح سر القطيعة بيننا كعرب والخيال العلمي.
إننا لم نقم – صدقًا أو كذبًا- بأية محاولة للوصول للقمر. نحن لم نبتكر سلاحًا ذريًا والواقع أن عجلة الابتكارات قد فاتتنا منذ عهد طابعة (غوتنبرغ) وما قبلها. هذه الغيبوبة الابتكارية التي نعانيها منذ قرون تفسر معنى أن يكون أدب الخيال العلمي بالنسبة لنا أدبًا مستوردًا غير أصيل. إنه لا يعبّر عن همّ سياسي أو اجتماعي، لا يتتبع هوية، ولا يحقق الإبهار المنشود طالما مصطلحاته عصيّة على اللسان العربي المبين. أما الحديث عربيًا عن امبراطوريات كوكبية تمتد بين النجوم فعسير على عقلية إما ما تزال مرتهنة باستحقاقات ما بعد الاستعمار، أو أسيرة لحكايا الفتح الأولى. ولذلك يبدو الخيال العلمي “أدب فتيان” أليّق بكتيبات الجيب. إلى أن يكبر أولئك الفتيان ويبحثوا عن مواد قراءة أكثر جديّة ورصانة كما ينصّ السائد العام الذي تروّج له النخبة!
♠ إشكالية نخبوية:
في الواقع، فقد يكون من العدالة أن نجادل بأن الخيال العلمي ليس منتشرًا عربيًا لأن مستوى النخبة العربية لم يرقَ بعد لهكذا نوع من الطرح! وهذه ليست محاولة للانتقاص بقدر ما هي توصيف لحالة.
النخبة المعنية هنا يشكلها جمهور الكُتّاب والنقاد. إنها المؤسسة الثقافية التي لها موازٍ في المؤسسة التعليمية. إنها (سوق الكتاب) المعني بـ “انتقاء” ما يريده القراء وما يجدر التركيز عليه كتابةً وترجمة وتوزيعًا. كل أولئك واقعون في فخ استبعاد الخيال العلمي من المشهد بأكثر من ذريعة لعل أهمها: إنه غير مطلوب جماهيريًا.
لكن لِم لا يكون الحال غير ذلك؟ لم لا نقول بأن الخيال العلمي لم يُقدم له بالشكل اللائق جماهيريًا في العالم العربي؟ لم لا نقول بأن هناك تعارضًا مشينًا بين القيمتين العلمية والأدبية على المستوى العربي أدى لخلق حائط وهمي في وجه الثقافة العلمية والأدب العلمي؟
كي نفهم أكثر سنرجع إلى بريطانيا العام 1959، حين تكلم اللورد (تشارلز بيرسي سنو) عن تشتت المعرفة البشرية آنذاك بين خطّين فكريين في محاضرة شهيرة ألقاها بجامعة كامبردج بعنوان (الثقافتان والثورة العلمية). والثقافتان اللتان قصدهما سنو مثلَّهما تيارا المعارف الإنسانية (Humanities) من تاريخ وأدب ولاهوت وفلسفة، والمعارف المادية التجريبية كالفيزياء والرياضيات والفلك أو ما يُعبِّر عنه عمومًا بمصطلح (Sciences) الإنجليزي الذي تقابله مفردة “علوم” في لغتنا.
في محاضرته كما في الكتاب الذي صدر لاحقاً بالعنوان نفسه، تحدّث سنو عن فجوة بين العالمين؛ حيث تستأثر الشريحة المنتمية للثقافة الأولى (الإنسانية) بحمل مشعل الفكر والحضارة وهو ما لم يعد متسقًا مع الأهمية القصوى التي بات يضطلع بها علماء الطبيعة والهندسة وبخاصة في زمن ما بعد الثورة الصناعية.
تكلم سنو عن سوء في التواصل بين فريقيّ الثقافتين تقع ضحيته الإنسانية بأسرها. وألقى باللائمة في هذا الفصل المعرفي حينها على مناهج المدارس والجامعات متتبعًا أصوله التاريخية حتى أواخر القرن الثامن عشر حين تم تحجيم مصطلح “Sciences” ليعبر عن دراسات المعارف التطبيقية و التكنولوجية الناهضة آنذاك، ما أدى لتكوين حاجز بين المشتغلين بالهمّ “العلمي” والنُخَب المثقفة من جهة، وبينهم وبين الجماهير من جهة أخرى.
جادل سنو بقوله: أعتقد بأني حتى لو طرحت أسئلة بسيطة عن معنى (الكتلة) أو (التسارع)، وهي مقابلات علمية للسؤال “هل تستطيع القراءة؟” فإن ما لا يزيد عن عُشر النخبة المثقفة كانت ستفهم اللغة التي أحادثها بها. وهكذا ففيما تتطور بنية الفيزياء الحديثة فإن الغالبية من أذكى الناس في العالم الغربي لا يُلِمّون منها بأكثر مما فعل أجدادهم في أواخر العصر الحجري.
أثارت أفكار سنو في حينه ضجة ونقاشات مطوّلة على جانبي الأطلسي. وكان أسلوبه القاطع في إدانة علماء الآداب والإنسانيات واتهامهم باحتكار السلطة الفكرية والجهل بأبجديات الثقافة الحديثة سببًا في استجلاب نقمة هؤلاء ونقدهم اللاذع.
والآن، تعالوا لنسقط هذا الكلام على واقعنا في العام 2016م. هل ترتبط النخبة المثقفة العربية بالمصطلحات العلمية بشكل عضوي. أم هل تقف من التكنولوجيا موقف المنتقد للتأثيرات السلوكية وحسب. هل يُلم “مثقفنا” بآلية عمل الإنترنت؟ أم أن كل ما يعنيه هو نقد محتواها والانشغال بتصفحها؟ أم أن هذه التفاصيل التقنية ليست في أصل ترسانته الثقافية؟
♠ انقطاعات المعرفة:
بالنظر للفصل التعسفي المُمارس في مقاعدنا الدراسية بين فرعيّ “العلمي” و “الأدبي”، سنظل منقطعين عن القيمة العلمية. معزولين تقنيًا وتائهين في خضم الموروث السياسي والشرعي. ما يفسر الشعبية الجارفة للرواية التاريخية مثلاً. كما أننا عربيًا، وبالنظر لكوننا مبرمجين على اتباع النماذج والرموز، نعاني من فقر شديد في القدوة العلمية. إننا ما زلنا معتالين على سِيَر مصطفى مشرّفة وأحمد زويل، وأسماء نادرة طارئة هنا وهناك كبيض القبان. رموز النهضة الفكرية لدينا منذ جمال الدين الأفغاني لا علاقة لهم بالفهم التجريبي للكون. فلاسفتنا لم يتطرقوا للذكاء الاصطناعي، ولا لمآلات احتمال المواجهة مع حضارات ذكية من خارج الأرض. ليس لدينا مقابل قومي لـ (جيمس واط) ولا (جيسون سيلفا)، ومنتهى علاقتنا بالعناصر الأوليّة حددته محاولات جابر بن حيّان لاستخلاص الذهب من النحاس. لنقارن ذلك بنيوتن ولايبنتز ولافوازييه، ثم بكتابات هاينلاين وكلارك و ستانسلاو لِيم من بعدهم. أعمال الخيال العلمي الأولى وفق البيبليوغرافيا البشرية ظهرت في القرن السابع عشر (أطلنتيس جديدة لفرانسيس بيكون – 1627). أين كان العرب في العام 1627؟
نحن لا نصنّع ولا ونبتكر، ولا حتى على المستوى المعرفي. وتسارُع قدرة الحواسيب على معالجة البيانات لا يشكل معضلة يومية بالنسبة للمواطن العربي الذي لا يشتغل في مصانع (إنتل) ولا مختبرات (غوغل). فضلًا عن أن أولئك المهتمين بالصناعة والابتكار لا يجيدون بالضرورة الفنون الرفيعة للكتابة.
إن كاتب الخيال العلمي الفذ هو نسيج وحده لأنه متمكن من أدوات الثقافة الثالثة التي قرع جرسها اللورد سنو قبل خمسة عقود. أدوات كتابة الخيال العلمي متعددة، والخيال العلمي الفعّال والمؤثر يجب أن يكون دقيقاً ومتقناً (Subtle)، إنه يتطلب جلَدَاً على البحث وموهبة كتابية، لذا فإن النخبة تتخطاه بكِبر مصطنع لتنغمس في الأجناس الأسهل تناولاً.
♠ أسلوب وليس جنسًا:
لنرش الملح على الجرح فسنستعير مقولة (فرح مندلسون)[1] التي تقرر بأن الخيال العلمي هو أسلوب أكثر منه جنسًا أدبيًا. فلو أن الخيال العلمي كان جنساً أدبياً، لعرفنا الخط الرئيسي التقريبي لكل كتاب تناولته أيدينا. ينطبق هذا على الأعمال التقليدية البوليسية والغرامية أو رواية الرعب. لكن كل هذه الأجناس يصلح أن يتضمن ثيمة خيال علمي. فهو كالمظلة التي تحتمل تحتها كل حبكة ممكنة ويمكن تعميمها على الشعر والمسرحية كذلك. هذا نرى كيف تطوَر الخيال العلمي منهجيًا من بواكيره التي اعتمدت على تقديم نماذج لاختراعات مستقبلية إلى نمط سردي يسعى بالاحتفاء بالمهيب والجليل، متكئًا على ترسانة متنامية من المعارف البشرية، وعلى تصور أكثر عمقاً للكون بكل سكانه ومفرداته. إن الخيال العلمي والحال كذلك هو أحد أكثر صور الأدب إنسانية لأنه يُلم بالمُدرك والمتصوّر بكل تجلياته ويربطنا بكل العناصر التي تشاركنا الوجود. وحدها رواية الخيال العلمي يسعها أن تقدم (النمل) كبطل أول كما في أعمال (برنارد ويربير)، أو تبني على مفاهيم، كالزمن، فلسفيًا وتقنيًا كما في عناوين عدة لا يسعنا حصرها هنا.
لكن، وكما في قول منسوب لمواطنة عاشت في الحقبة السوفيتية البائدة، فإن الخيال العلمي هو أن تكتب عن “زراعة الأناناس في المريخ”. وإذا كان الحصول على الخبز في وطنك هاجسك الأول فيسعنا أن نتفهم كيف يُعد الخيال العلمي ترفًا معرفيًا عند أولئك المفكرين نيابة عن الجمهور. ومن نافلة القول أن الرد على ثمة زعم يقتضي أن يكون المثقف رائدًا لفكر الجمهور، لا محض رجعٍ لصداه.
♠ ورثة الفلاسفة:
سأختم بالقول بأن الخياليين العلميين اليوم هم ورثة الفلاسفة الأقدمين، بدءًا من (أفلاطون) وانتهاءً بالفيزيائي الشهير (ستيفن هوكنغ). ولا ينبغي أن نستهجن اعتبار فيزيائي أو عالم حاسبات فيلسوفًا معاصرًا، فهؤلاء يقاربون الأسئلة الكبرى التي طرحها مفكرو أثينا الأولون: من نحن؟ ما حدود الكون؟ ما معنى الذكاء وما تعريف الروح؟ أحدهم قال بأن الروح يمكن تفسيرها بـ “الوعي”، وإذا كانت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الهواتف المحمولة في جيوب كل منّا تنضح بصور الوعي الآلي المختلفة، فإن كتّاب الخيال العلمي اليوم تتفتح أمامهم أبواب لتدبّر عوالم من الاحتمالات بخصوص الحياة البديلة، وأخلاقيات الآلة، وماهية الروح حين تتفكك ذرات الجسد بين معبريّ الانتقال الآني.
إن البشرية اليوم توغل في تفاصيل فهم للموجودات والمعاني يتجاوز ما وقف على ساحله أساطين الخيال العلمي الكلاسيكيون الذين تخيلوا أكثر مما رأوا. إنما نحن فنرى ومنذ التسعينات معجزات علاج واستنساخ الخلية الحيّة ونتعرف على كواكب جديدة ونتحقق من وجود الجسيمات دون الذرية ونستكشف أمواج الجاذبية في نشرات الأخبار اليومية. ومن المؤسف أن تمر كل هذه العناوين على نخبتنا المثقفة مرورًا عابرًا فترتضي بأن تحبس نفسها في أقفاص الغراميات، والعتب على الأوطان، ونوستولجيا الزمن الجميل.. الذي لم يكن جميلًا تمامًا.
وحتى لأولئك المصرّين على أن الواقع الإنساني على الأرض ما زال حافلًا بالقصص التي يجدر الالتفات لها قبل الخوض في تهويمات الفضاء الخارجي وعوالم الإلكترون، نذكّر بأن الخيال العلمي ما هو إلا منظار مختلف لرؤية مفردات الحياة – بشرية وسواها-. وكمثال عابر سنذكّر بقصة صاحبنا نجيب محفوظ (بين السماء والأرض) التي ظهرت كفيلم عام 1959 لتحكي عن مصعد يتعطّل بركابه الخمسة في حبكة تنقد الظرف الاجتماعي مستغلة هذا الظرف الحرج. في المقابل، قدم (أرثر سي كلارك) في روايته (ينابيع الجنة) عام 1979 فكرة المصعد الفضائي الذي يتنقل بركابه بين سطح الأرض ومستعمرات الأفلاك البعيدة. فكرة المصعد الفضائي اليوم هي قاب قوسيّ التنفيذ. لكن لنترك التفاصيل التقنية المملة ولندمج حبكتي محفوظ وكلارك معًا في إطار حبكة مفترضة تأخذ بأبطالها لموقف مريع يقع بين “محطة الفضاء” والأرض.. هل تكفي هذه الفكرة للكشف عن غواية الخيال العلمي في استكشاف إشكاليات إنسان القرن الحادي والعشرين؟ أم أن القرن 21 ما يزال مستقبلاً بعيداً عن واقع العرب؟
[1] دليل كمبريدج للخيال العلمي. المركز القومي للترجمة العدد 1991. 2013م.
أعدت هذه المادة للنشر في كتاب “أحفاد المعري، اقترابات من الخيال العلمي العربي “من تحرير د. فيصل الأحمر، ونشرت هنا بعد موافقته.
الأربعاء، 8 مايو 2019
التقنية ونماذج القصة للسيد نجم
دراسة نقدية مطولة للدكتور عبدالمنعم ابوزيد حول مجموعتى قصص لى: لحظات فى زمن التيه وعودة العجوز الى البحر.. شكرا له مجددا
التقنية ونماذج القصة للسيد نجم
بقلم: د. عبدالمنعم أبوزيد
& التمهيد
التقنية: المفهوم، والأنواع.
تعد التقنية المستخدمة فى حمل ونقل وتوصيل النص الأدبى، أحد العناصر
المهمة التي يتكون منها الخطاب الأدبى والثقافى المعرفى، ويعني الحالة التي
يتواجد عليها النص فى زمن التلقى، والتي تؤثر على تكوين ورؤية المتلقي، أي
محاولة البحث عن دور التقنية في خلق آليات التماسك بين النص والمتلقى. تلك
العلاقة التى قد تمهد ﻹنتاج المعنى (معنى ودلالة النص) نحو تجسيد رؤية
المبدع.
وينقسم الحديث عن تقنية الزمن في الخطاب القصصي إلى مبحثين:المبحث الأول: المفارقة الزمنية.. المبحث الثاني: التواتر السردي.
المبحث الأول: المفارقة الزمنية
وهي الخروج عن الترتيب الطبيعي للزمن، سواء بعودة الأحداث إلي الوراء، أو
محاولة استقراء لحظة المستقبل، ويتصل هذا الانزياح في الزمن بموقع السرد
منه، وقد أشار(جيرار جنيت) إلي هذه التقنية في قوله: "تعني دراسة الترتيب
الزمني في الخطاب السردي بنظام تتابع هذه الأحداث أو المقاطع الزمنية نفسها
في القصة، وذلك لأن نظام القصة هذا تشير إليه الحكاية صراحة أو يمكن
الاستدلال عليه من هذه القرينة غير المباشرة أو تلك..."( 1)
ويعنى هذا الخروج الزمني عن التسلسل المنطقى للأحداث إعادة ترتيب زمن القصة بشكل جديد، عن طريق قارئ واع بمجريات الفعل القصصى، ولديه القدرة على تنظيم المادة الحكائية، ضمن مؤشرات زمنية محددة تشير إلي أبعاده بدقة، وهو ما يدل على تعرض هذا الزمن إلي ثغرات عميقة في النظام الزمني، مما يحتاج إلي محاولة تأويل هذه الظاهرة ضمن الوعي العام للبنية الزمنية..."(2)
وتنقسم المفارقة الزمنية إلي نوعين:
أ- السرد الاستذكاري ونقطة الصفر.
ب- السرد الاستشرافي ونقطة الصفر.
1- -السرد الاستذكاري ونقطة الصفر:
تستدعي الأحداث الماضية في لحظة الحاضر(نقطة الصفر) التي تكون دافعًا قويا
للاستدعاء بما تحمله من مشاعر حزينة وقلقة فتأتي الذكري لتغيير الواقع
النفسي للشخصية في هذه اللحظة، يقول (غاستون باشلار) عن علاقة الماضي
بالحاضر "سرعان ما توصلنا إلي الاعتراف في الواقع بأن الذكري لا تعلم دون
استناد جدلي إلي الحاضر ؟ فلا يمكن إحياء الماضى إلا بتقييده بموضوعة
شعورية حاضرة بالضرورة بكلام آخر، حتي نشعر أننا عشنا زمنا - وهو شعور غامض
دائما بشكل خاص - لابد لنا من معاودة وضع ذكرياتنا شيمة الأحداث الفعلية
في وسط من الأمل أو القلق في تماوج جدلي، فلا ذكريات بدون هذا الزلزال
الزمني، أو بدون هذا الشعور الحيوى(3)
ويقول تودوروف عن هذه التقنية: أما الاسترجاعات وهي الأكثر تواترا فتروي لنا فيما بعد ما قد وقع من قبل، فعادة يشفع - في الروايات الكلاسيكية إدخال شخصية جديدة بقص لماضيها، ويمكننا طبقا لتقاطع الاسترجاع مع القصة الرئيسة أو عدمه أن ننعته بباطني أو خارجي..."(4)
وتتفاوت المقاطع الاستذكارية من حيث [ طول
أو قصر المدة التي تستغرقها أثناء العودة إلي الماضى، وتسمى هذه المسافة
الزمنية التي يطالها الاستذكار بمدى المفارقة.."(5) وقد يستغرق المدى يوما
أو أسبوعاً أو شهراً، بحيث يكون محددًا ومعلومًا للمتلقي، أمّا سعة الإرجاع
فتقاس بعدد الصفحات التي يغطيها في الخط الزمني للسرد.
وتتمثل وظيفة
هذه التقنية في ملئ " بعض الفجوات من حياة الشخصيات" المحورية؛ ولذا فهي
تحتل وظيفة مركزية، إنها لا تأتي لتقديم مزيد من الأخبار عن الشخصية
المقدمة أمامنا في الحاضر وحسب، بل إنها ذات وظيفة بنيوية."(6)
في المجموعة القصصية (عودة العجوز إلي البحر) في قصة (فلما اعتلي الرجل الكوبري) تقول الأنا الساردة (هذه الحالة أعرفها تماماً عندما قضيت أسبوعًا كاملاً، مقيداً بالسرير بسبب إصابتي بالتهاب في حوض الكلي.. فلا أستيقظ إلا لحاجة.ثم أنام وأنام، تجرعت الأدوية غريبة المذاق، حتى قال الطبيب "اخرج وسيب السرير." (7)
ويبدو أن هذا الاستذكار،جاء كرد فعل طبيعي
للحظة الحاضر المليئة بالوهن والاضطراب، والنوم العميق،والكسل تلك التى عرف
مفرداتها فيما سبق، عندما قضى أسبوعًا كاملاً في المستشفى. ولم يذكر النص
من محددات الارتداد إلاّ مدته التي حددها الأنا السارد بنفسه في أسبوع،
وحجمه قصير جدًا؛ ولذا فسعته لا تزيد عن ثلاثة أسطر، يتم فيها تعرية موقف
خاص جدًا بالشخصية.
والواضح من هذا التصور أن الدلالات في اللحظتين متساوية، ولم يكن ثمة تأويل جديد للمنتج النصي في الماضي.
وفي قصة (الذبابة الزرقاء) من المجموعة القصصية نفسها، يحاول الراوي أن يكشف عن اللحظة الغائبة في حياة الشخصية، بفعل الحالة النفسية المتردية التي أحاطت بها، يقول: (للمرة الأولي يتململ العجوز.يرمى نظرة ساكنة إلي إحدى ساقيه، وقد كسرت عنوة من غريم في مباراة شرسة.. لكن فريقه خرج منتصرًا فابتسم، هانت عليه جلسته المحفورة في كتلة أشعة الشمس، فحرك ذراعه الأيمن، وتحسس شفته وأسنانه الأمامية، وقد تحطمتا عمدًا من لكمة غريم لا يرحم.. لكن فريقه حصل على كأس المسابقة...)(8)
يستقرئ الراوي اللحظة الآنية المحيطة بشخصية العجوز التي كانت دافعاً قويا لإعادة لحظة الماضى، وقراءتها بشكل جديد، ولم تتحدد مؤشرات الارتداد إلاّ بشكل غير مباشر، مما فعّل دور المتلقي في استنتاجها من خلال البنية الكلية للنص، وتتمثل في السنوات التي كان فيها العجوز يمتلك شخصية قوية ومرموقة في مجال الرياضة. وأمّا السعة فهي تستوعب موقفا مهما من حياة العجوز، أخذ جزءًا محدودًا من صفحات القصة، ولم يشغل من زمن الكتابة إلاّ بعض الدقائق، لكنه أمد السرد بمعلومات مهمة عن شخصية العجوز. فسرت صبره على ما هو فيه.
والواضح من هذا التصور أن الدلالات المنتجة من لحظة الاستذكار إيجابية، ممّا أثر فيما بعدها من لحظات بشكل إيجابي - أيضًا-؛ ولذا كان تأويل الفعل القصصى في الماضي لقراءة الحاضر بشكل مغاير.
2- السرد الاستشرافي؛ ونقطة الصفر.
ونعني به عرض أحداث لاحقة لا يتصف معظمها باليقين وتمثل قطعا لزمن السرد
الحاضر، وتتنافي هذه التقنية مع التشويق النصي الذي يفضله المتلقي المتفاعل
مع النص.إذ يجب أن يكون ثمة نقط غامضة لا يكشفها إلاّ بنفسه حتي تمنحه
قدرة على مواصلة القراءة، وهذه المفارقة بين تقنية الاستشراف وما تؤدي
إليه، كانت دافعًا لمقولة جيرار جنيت:" إن الاهتمام بالتشويق السردي الخاص
بتصور الرواية الكلاسي بمعناه العام...لا ينسجم كثيرًا مع هذه الممارسة.."
(9)
وفي هذه الممارسة الزمنية أحيانا يستخدم الراوي " الصيغ الدالة على
المستقبل، لكونه يسرد أحداثا لم تقع بعد، على أن هذه الصيغ تتغير وفقا
لطريقة السارد / الراوي..."(10) ويرى (توماشفسكى) أن هذا النوع من السرد،
(يمثل الحالة الأكثر ندرة فهي حالة Nachgeschichte أي سرد ما سيحدث لاحقا،
والذي يدمج في الحكي قبل أن تقع الأحداث الممهدة لما سيأتي. ويكتسي أحيانا
شكل حلم منبئ أو نبوءة، أو افتراضات صحيحة أو غير صحيحة بصدد
المستقبل."(11)
ووظيفة هذا النوع من السرد تتمثل (في خلق حالة انتظار عند القارئ، لكن من الواجب ألا نخلط بين هذه الإنباءات التي لا ترد إلا بصفة صريحة، والنواتج، وهي معطيات لا يفهم معناها إلا فيما ترتبط بفن التمهيد القصصي..."(12)
&المبحث الثانى: التواتر السردي
ورد
في المعجم: " واتر بين أخباره وكتبه مواترة، ووتارًا، تابع مع فترة...
والشىء تابعه، وتابعه بعد فترة..... وتواترت الأشياء تتابعت، وتتابعت مع
فترات، وجاءت بعضها في إثر بعض، وترا وترا من غير أن تنقطع..." ((13)
فالتواتر - كما أوضح المعجم - معناه التتابع سواء أكان سريعا أم بطيئا؛ ومن ثم يمكن الوقوف على معنى " التواتر السردى" أى حركة السرد في علاقته مع الزمن من حيث السرعة أو البطء؛ ومن ثم فنحن أمام حركتين للسرد؛ أحدهما سريعة، وتشمل تقنتى: التلخيص، والحذف، والأخرى بطيئة وتشمل تقنتي الحوار، والوصف.
1-التلخيص:
ونعنى به أن يقوم السارد بتلخيص الأحداث
القصصية الواقعة في مدة زمنية معينة قد تطول أو تقصر، دون أن يطرح تفاصيل
ذلك، وفيه يكون زمن الخطاب أقل من زمن القصة
&التلخيص = زمن السرد < زمن الحكاية.
ويرتبط بالفعل القصصى في مراحله المختلفة؛ حيث يتعلق بالحدث في اللحظة
الماضية أو الآنية، أو لحظة الاستشراف، غير أنه أكثر ارتباطا بالماضى،
(ويعد بيرسى لوبوك) أول من فطن إلى العلاقة الوظيفية بين الخلاصة والماضى،
وتبعه في ذلك (فيلبس بنتلى) فأشار بوضوح إلى أن أهم وظائف السرد التلخيصى،
وأكثرها تواترًا هو الاستعراض السريع لفترة من الماضى...)(14)
& في قصة (ذات صباح عادي) من المجموعة القصصية (لحظات في زمن التيه) يقول الراوي(IMG:style_emoticons/default/sad.gif)سريره النحاسي ذو الأعمدة والناموسية... ثروة لا تقدر بمال..ورثه عن أمه مع وصيتها اليتيمة:" لا تفرط في السرير، إن جعت أو عطشت..."، ويقول في موضع آخر على لسان الأم: "من يدري يا ولدي، ربما في ثروة جدك لقمة حرام، أو ربما في فقرنا سترًا من بلاء لا ندريه !!" (115)
يقدم الراوي التلخيص في النصين في صورة استشراف لحركة اللحظة القادمة؛ في النص الأول حذرت الأم ابنها من القيام بفعل خاص في المستقبل حتي لو جاع أو عطش، وفي الثاني منحته موعظة، فسرت في إطارها الوضع القائم الذي يعيشه هذا الابن، وبقراءة القصة كاملة وجدنا أن مفردات النصين قد تحقق وجودهما في بنية الفعل القصصي بعد ذلك، وهذا ما ذكر بدايته الراوي في قوله:" بمضى الأيام يدهش لأفاعيل السرير معه...فقد قبـلته زوجتـه وهـو الدميم..تنتابه سعادة غامرة كلما تأمل سريره.."(16) . الواضح أن النص الأول قد لخص ما تكنه لحظة المستقبل، وعاد الثاني إلي لحظة الماضى؛ ليفسر حركة الواقع الذي تعيشه الشخصية في لحظة الحاضر؛ ومن ثم فقد وظف السارد في نص التلخيص حركة الثالوث الزمني، مبينًا أثره في الفعل القصصى، وتطور الشخصية؛ ومن ثم يستطيع السرد أن يتعامل مع الواقع الإنساني للزمن، منحدرًا في الذاكرة من أجل الماضى، حين يكون وثيق الصلة بالحاضر، ومتخيلاً في المستقبل..."(17) ولم يتوغل التلخيص في المستقبل البعيد؛ وإنما مدته الزمنية محددة، وسعته لا تتعدي ثلاثة أسطر، ولذا لا يحتل من زمن السرد إلا دقائق محددة.
2- الحذف: هو إسقاط جزء من زمن الحكى سواء أكان طويلا أم قصيرا، والقفز بالأحداث فترة زمنية للأمام؛ وبهذا يقل زمن السرد، ويزداد زمن القصة؛ هكذا زمن السرد > بكثير من زمن الحكاية أي أنه" انتقال مفاجيء من نقطة زمنية معينة إلى أخرى، سواء عن طريق الإشارة الزمنية لهذا القفز، أو عدم الإشارة، ولكنه يفهم من سياق الأحداث..." (18)
في قصة (مكان مزعج للغاية) من المجموعة القصصية (لحظات من زمن التيه) تقول الأنا الساردة (انقضت شهور الخريف، وأنا داخل غابة هموم الشيخ مع ساعته القيمة حتى فاجأني في عصرية يوم شتوي جديد بالاختفاء (19)
في النص
يحدد المتكلم المدة الزمنية المحذوفة بشهور الخريف، ويبدو فيها مجموعة من
العلاقات الإنسانية المتبادلة بينه وبين هذا العجوز، ويعد هذا تلخيصا موجزا
لمجمل هذه العلاقة.
-في قصة (الجير) من المجموعة القصصية (أسباب
للبكاء) يقول الراوى (أسبوع.. أسبوعان.. ثلاثة، وهو على هذا الحال يسب
ويسب.. ويضرب ويضرب..) (20 )
في النص حذف محدد، حدده الراوي في أسبوع حتى ثلاثة أسابيع ويعد من التلخيص الارتدادي الذي يستقرئ لحظة الماضي الغائبة عن دائرة الخطاب القصصي، ومن ثم يكشف للمتلقي مساحات نصية جديدة، يربط بها الغائب بالحاضر، وتتمثل المدة المحذوفة في الفترة التي عامل فيها المدرس طلابه بأسلوب سيئ.
وفي نهاية القصة جاء الحذف المحدد في قول الراوي (IMG:style_emoticons/default/sad.gif) بعد يومين دخل الأستاذ مرزوق الفصل مبتسما دون عصاه.. وراح يحاور التلاميذ بصوت رقيق...).(21)
ويبدو من النص أن ثمة تغيرا واضحا حدث في هذه المدة الزمنية القصيرة التي تتحدد بيومين، ويتمثل في تحول الاتجاه النفسي للمدرس من الضد إلى الضد، بفعل ما استغرقته المدة المحذوفة من بناء علاقة إيجابية بينه وبين طلابه.
وقد يأتى الحذف بدون إشارة نهائية للزمن، وعلى المتلقى أن يقف على هذا الجزء الغائب من بنية النص، من خلال استقراء لواحقه وسوابقه، ويأتى في النص على هيئة نقط متتابعة، وهى تقنية تدخل النص" للتعبير عن أشياء محذوفة أو مسكوت عنها داخل الأسطر..." (22)
3- المشهد: وهو عبارة عن حوار درامى يحدث بين الشخصية، وغيرها، أو بينها وبين نفسها، وفيه تقل حركة السرد، حتى يتساوى زمنه مع زمن القصة، ويحتل " موقعا متميزا ضمن الحركة الزمنية... وذلك بفضل وظيفته الدرامية في السرد، وقدرته على تكسير رتابة الحكى بضمير الغائب "(23) ويؤدى في القصة دورًا مهمًا، حيث يتحول المنظور القصصى من قبضة السارد إلى منظورات متعددة؛ ومن ثم يطرح وجهات نظر متعددة؛ ولذا فهو يقدم الفكرة بكل أبعادها، ويحللها، كما أنه يكشف بجلاء عن الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات المتحاورة، وقد يكون طويلاً أو قصيرا، خارجيا أو داخليا>
* الحوار الخارجى:
وفى قصة (حكايات النمل) من (عودة العجوز إلي البحر يأتي المشهد الحواري هكذا:
وصباح اليوم التالي، عاود طايع سؤاله، بحسبته وتقديره شك في رقم "مائة"،
فقال السجان: "أنا عمرى ما فكرت أعد الزنازين يا بن الملعون" فكر مليا،دهش
في نفسه، ثم أخبره بالعدد الصحيح.
ابتسم النمرة "طايع" ربما للمرة الأولي منذ أن وطئ أرض الزنزانة، قال:"معني كلامك أن تنفيذ حكم إعدامي مش قبل ست وثلاثين مرة قبلي":
ضحك السجان وقهقه، سبه وقال:
"ومين قال لك إحنا ماشيين بالترتيب....
يمكن يكون تنفيذ حكمك قبلهم كلهم.." (24)
يبدو أن هذا المشهد الحواري قصير، ولذا فمساحته النصية محدودة تتمثل في
الكشف عن طبيعة السجين وأزمته النفسية، وقسوة السجان وهمجيته، وهو بهذا
يطرح رؤى إنسانية متباينة، وقد أثار في المتلقي حالة من الشجن، نتيجة
درامية الحوار التي كشفت عن وضع إنساني خاص (25) وتوافق زمن القصة مع زمن
الخطاب؛ حيث استمر الفعل القصصى بدرجة متساوية مع حركة السرد؛ وبهذا فثمة
علاقة ترابط بين المنتج الدلالي في هذا المشهد الدرامي، وما قبله، والأحداث
التي تليه.
* الحوار الداخلي:
يعد وسيلة مهمة من وسائل السرد،
ويعني حوار الشخصية مع نفسها، ويعمل على الكشف عن العمليات الذهنية التي
تقوم بها لطرح ذكرياتها وهمومها، وأفكارها، ومشاعرها، وموقفها من العالم
المحيط بها، وذلك دون أن يتدخل المؤلف بالشرح والتعليق، ومن ثم فهو أحد
الطرق المهمة للتعبير عن الواقع النفسى للشخصية، بشكل جديد تعجز الطرق
التقليدية عن الوصول إليه، وهو جزء من تقنية تيار الوعي، وقد أشار إلي
أهمية هذه (روبرت همفرى) عندما ذكر أنه يستخدم في القص، " بغية تقديم
المحتوى النفسى للشخصية والعمليات النفسية لديها - دون التكلم بذلك على نحو
كلي، أو جزئي - وذلك في اللحظة التي توجد فيها هذه العمليات في المستويات
المختلفة للانضباط الواعـي قبل أن تتشكل للتعبير عنها بالكلام على نحو
مقصود.."(26)
يجسد هذا الحوار - بصراحة، وتلقائية معهودة من القاص - وجهة نظر الراوي في هذا المسئول الكبير، فهو رجل لا يستطيع أحد أن ينفذ إليه، أو يمسك به، لأنه مثل كرة الزئبق؛ ومن ثم يعد هذا المشهد حصيلة مكثفة لمواقف سردية سابقة، طرحتها رؤى متعددة للراوى في شأن هذا الشخص من خلال تجربته الخاصة معه، ويتسم هذا المشهد بالقصر، ولذا فسعته محددة، ولم يأخذ مساحة نصية واضحة في النص، تؤثر على تكوينه التقني، لأن هدفه محدد، ورؤيته مكثفة.
* الوقفة الوصفية:
يتشكل الوصف باللغة كأي عنصر آخر من
مكونات بنية النص القصصي؛ إذ يتكون من جمل وعبارات، وتراكيب، ودلالات، تنصب
جميعها في مقطع واحد، يكتسب أهميته من ترابطه، وعلاقاته بالمقاطع
الإنشائية الأخرى؛ ولذا فهو (مقطع كتابي لا سبيل إلي تحديد دلالته إلا
بوصفه في علاقة مع المقاطع الكتابية الأخرى الرابضة في حدوده.."(27)
وقد يستغرق الوصف صفحات كبيرة في النص، أو يكتفي بصفحة أو جملة واحدة؛ ومن
ثم فهو في النص القصصى؛ إما يقوم على تناول التفاصيل بدقة، أو انتقاء
أجودها وتقديمه للمتلقي بشكل جيد وهو إما أن يقدم لشخصية ما، أو يجلي أبعاد
الأمكنة في النص؛ ولذا فهو حتمية لا مناص منها في بناء النص القصصى، على
القاص أن يوظفها جيدًا؛ لتقديم دلالاته، ورؤيته بشكل فني واضح.
وهو
على الجانب الآخر يعوق من حركة السرد ويعمل على إبطائها، فيتوقف التسلسل
الطبيعي للزمن لبرهة من الوقت، ومن ثم يكون زمن السرد أكبر من زمن القصة
وهكذا: الوقفة الوصفية = زمن السرد > بكثير من زمن الحكاية
الخاتمة
عرض البحث لحركة الزمن في البنية النصية للقصة القصيرة في مبحثين: المبحث
الأول: وناقش فيه ما اسماه جيرار جنيت بالمفارقات الزمنية أى التغيرات
الزمنية الطارئة على القصة، وينقسم إلى محورين، المحور الاستذكاري، والآخر
الاستشرافي، والمبحث الثاني: وناقش، ما يسمى بالتواتر السردى أى التغيرات
الزمنية التى تحدث في بنية القصة والخطاب معًا، وتنقسم إلى أربعة أقسام
التلخيص، والحذف، والمشهد، والوقفة الوصفية.
& وبعد مناقشة هذه المحاور، وقراءتها بشكل واضح في إطار النصوص الإبداعية اتضحت بعض النقاط المهمة المتصلة بموضوع البحث كالآتى:
- تتفاوت المقاطع الاستذكارية من حيث الطول والقصر، والمؤشرات الدالة عليها، وسعتها الزمنية في النص نفسه.
- طرحت القصة القصيرة الاستذكار بكل أنماطه بشكل واضح، غير أنها لم تلجأ
للاستشراف إلا في مواضع قليلة، وبمساحات نصية لا تتعدى دقائق محددة.
- احتل الاستذكار في القصة القصيرة وظيفة مركزية مهمة أثرت في تكوين البنية القصصية في مراحلها المتباينة.
- نجد المحددات والمؤشرات الدالة على الاستشراف والاستذكار واضحة في بعض
القصص، وغير واضحة في بعضها الآخر، ومن ثمّ كان تفعيل دور المتلقى في
قراءتها:
- تختلف المدة الزمنية التى يحتلها نوعا المفارقة في زمن
القصة الاستشراف والاستذكار في المساحة النصية، ومن ثم يختلفان في الطول
والقصر
- يرتبط التلخيص في القصة القصيرة بلحظة الماضى والحاضر
والمستقبل، ويكون أكثر ارتباطا بلحظة الماضى، لأننا لا نستطيع تلخيص
الأحداث إلا بعد حصولها بالفعل.
- يفعل الحذف دور المتلقى في قراءة الغائب عن الفعل القصصى، وربط دلالات النص بعضها ببعض.
- قدمت القصة القصيرة أنماطًا من المشاهد الدرامية التى أبرزت براعة القاص
في تجسيد المشاعر الإنسانية وطرح وجهات النظر بدقة؛ ومن ثم تآزرت مع السرد
لتقديم رؤية متكاملة للنص، غير أن ثمة بعضا منها جاء على نحو عشوائى، أفضى
إلى نص مترهل انعدم فيه التكامل بين عناصره.
- تبدو الوقفة الوصفية في
كثير من المجموعات القصصية التى عرضها البحث للنقد والدراسة عنصرًا أساسيا
وليست حلية تزينية، حيث تداخلت مع عناصر القصة بشكل إيجابي، مما ساعدها
على التطور والاستمرار في أداء وظيفتها.
&الهوامش:
1- راجع
من الدراسات - كذلك - سيد حامد النساج: اتجاهات القصة المصرية القصيرة،
رشاد رشدي:فن القصة القصيرة، الأستاذ حسين القباني:فن كتابة القصة،
والأستاذ فؤاد دوارة: في القصة القصيرة، يوسف الشاروني: دراسات في الرواية
والقصة القصيرة.
2- هذا اقتراح طرحه كثير من النقاد لعدم تقسيم النص
الأدبي، وإهدار جزء منه على حساب الآخر، وذلك لإنتاج دلالة كلية تجمع بين
شقيه، وقد عبروا عن ذلك بمصطلحات= =جديدة كان بدايتها "شكل المضمون الذي
ابتدعه العالم اللغوي الدانماركي " لوي هييلمسلف " وذلك في مقابل مادة
المضمون "،راجع، عبد الكريم حسن: المنهج الموضوعي، نظرية وتطبيق، المؤسسة
الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1990 ص 81 وما بعدها.
3-تزفيطان تودوروف:مفهوم الأدب، ت منذر عياشي، النادي الأدبي الثقافي،جدة،ط1، 1990م،صـ129.
-4- توماشفسكي:نظرية الأغراض، مقالة في كتاب نظرية المنهج الشكلي، ت:
إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، المغرب،ط1، 1992م،
صـ180..
5-سعيد يقطين: السرد العربي، مفاهيم وتجليات، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2006، ص 195.
- 6- شاكر النابلسي:جماليات المكان في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،ط1، 1994 م،صـ327 وما بعدها.
7 -تودورف: الشعرية، ت شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، المغرب 1987 ص 48
8- حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي بيروت،ط1، 1990م، صـ122.
9- راجع: سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي، النص، السياق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب،ط 2، 2001 ص 56.
10-هاله فهمي:ربع رجل، الهيئة العامة للكتاب،مصر، 2001 ص 36 وما بعدها.
15- نفسه: ص 74.
11-ليلي الرملي: الشرك، المجلس الأعلي للثقافة، الكتاب الأول 2002م، راجع
حالات التذكر، وقد أخذت مقاطع نصية كبيرة من القصة من صـ77 وما بعدها، وقد
حاول الباحث أن يركز فيما اقتطفه على مواطن التذكر.
12-- سمير المرزوقي وجميل شاكر: مدخل إلي نظرية القصة؛ تحليلاً وتطبيقاً،: دار الشؤون الثقافية العامة،بغداد، ب ت صـ79.
-13 مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، الجزء الثاني، ص1051.
14- حسن بحراوى: بنية الشكل الروائي، السابق، ص146.
=15-السيد نجم: لحظات في زمن التيه، الهيئة العامة لقصور الثقافة 1994 م،صـ15.
16-- نفسه: صـ16.
17- والاس مارتن: نظريات السرد الحديثة، ت: حياة جاسم محمد، المجلس الأعلى للثقافة، 1998 م، صـ143.
18==مراد عبد الرحمن مبروك: بناء الزمن، السابق، ص100
=19- السيد نجم: لحظات من زمن التيه، السابق، ص56
-20= محمد عبد الظاهر المطارقي: أسباب للبكاء، السابق، ص59
-21 نفسه: ص60
22- حميد لحمداني: بنية النص السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1991م، ص58.,
23- المنصف عاشور: بنية الجملة العربية بين التحليل والنظرية، منشورات كلية الآداب، تونس مجلد (2)، 1991م، ص292.
24-السيد نجم: عودة العجوز إلي البحر، السابق، صـ25.
25--هذه (القصة القصيرة) تبرز قدرة القاص على الوصول إلي أعماق النفس
البشرية، واستبطان عوالمها، ومشاعرها، وأحاسيسها، ببساطة وتلقائية.
26--روبرت همفري: تيار الوعي في الرواية الحديثة، ت: محمود الربيعى، دار المعارف مصر، ط2، 1975م،صـ46.
27- عبد اللطيف محفوظ:وظيفة الوصف في الرواية،دار اليسر، المغرب، ط1 1989م، صـ20.
ثبت بالمصادر والمراجع:
أولا - المصادر:
- السيد نجم: لحظات في زمن التيه، الهيئة العامة لقصور الثقافة 1994م.
: عودة العجوز إلى البحر، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2000م
ثانيا: المراجع العربية:
1- سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي، النص والسياق، المركز الثقافي
العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2001م.: السرد العربي، مفاهيم وتجليات،
رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2006م، الدار البيضاء، المغرب،ط2،2001م.
2- سمير المرزوقي وجميل شاكر: مدخل إلي نظرية القصة، تحليلاً وتطبيقًا، دار الشؤون الثقافية العامة /بغداد.
3- شاكر النابلسى: جماليات المكان في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،ط1،1994م
11) عبد الكريم حسن: المنهج الموضوعي،نظرية وتطبيق، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1990م
4-عبد اللطيف محفوظ: وظيفة الوصف في الرواية، دار اليسر، المغرب، ط 1، 1989م
13) غاستون باشلار: جدلية الزمن، ت/ خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،ط2، 1982م.
24
الثلاثاء، 7 مايو 2019
مناقشة كتاب وغارت النجوم في صالون الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي(3)
مناقشة كتاب وغارت النجوم في صالون الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي
********************************************************************
الجزء الثالث: تعقيب الدكتور حسام الزمبيلي مؤسس الجمعية
ركز الدكتور على عدة قضايا منها:
• الكتاب يدعو ويعلي من فكرة المؤامرة وللأمانة نقول : ربما تكون أحداث
الموت عادية وليس فيها ما يريب، ولكن من الصعب أيضاً التصديق بكل تلك الصدف
وبخاصة مع العلماء، من الإنصتف أن نقول أن بعضاً من هذه الأحداث مؤامرة
ولكنها ليست على المطلق، ولهذا يجب تكومي لجنة من المحتصين لجمع الأدلة
والقرائن على وجود جريمة مدبرة لإنهاء حياة العلماء، ويمكن تصنيف الحالات
إلى:
(1) الحالات المؤكدة
(2) الحالات المحتملة
(3) الحالات الغير محتملة
• حماية العلماء واجب الدولة، ولكن ماذا تفعل الدولة لحماية هذا الجيش من
العلماء المصريين في الخارج والدتخل، لذا نقترح تصنيف العلماء وحمايتهم حسب
درجة أولويتهم.
(1) العلماء الأولى بالرعاية .. وهم العالماء
الاستراتيجيين في الدولة وخارجها مثل الدكتور مشرفة وجمال حمدان والسعيد
بدير .. وتتم حمايته هو وأسرته.
(2) العلماء النشيطين في المجال .. وهم
من العلماء الباحثين المهرة في تخصصات دقيقة مثل الدكتور المشد .. وتتم
حماية شخصية مستمره له في حله وترحاله.
(3) العلماء المتوقعين: وهو من العلماء الواعدين المبشرين بالبزوغ والتفوق على المدى القريب وتتم متابعة أحوالهم دوريا.
• يجب تكوين المجمعات العلمية العربية (المقاومة الكمية) من العلماء كل في
تخصصه، من مختلف الدول العربية، لمتابعة الخطوات اللازمة للنهموض بالعلم
في أوطاننا وفق خطط ممنهجة يقترحها العلماء أنفسهم.
• يجب التعامل
الجدي مع العلماء المصريين في الخارج للاستفادة الجادة من تطبيقاتهم في
البلاد التي يعملون فيها، واستشارتهم في الخطط العلمية والتقنية في وطنهم
الأم.
8
مناقشة كتاب وغارت النجوم في صالون الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي(2)
مناقشة كتاب وغارت النجوم في صالون الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي
*********************************************************************
الجزء الثاني: تعقيب المؤلف
================
بعد نهاية الكلمة القيمة لشيخ النقاد وأمين التراث العربي وأستاذ الأصالة
والمعاصرة الدكتور يسري عبد الغني، طلبت إدارة المنصة من المؤلف التعقيب،
الذي استهل كلامه بأنه ابن ذلك الجيل الذي ذاق حلاوة الانتصارات المزعومة
حتى ظن أنهم أسياد الأرض وذاق مرارة الانكسار بعد سقوط يونيو المريع الذي
أفقده الثقة في قياداته السياسية، وكلل
بالسواد كل الهامات... في وسط هذا الظلام ظل يبحث عن فرجة من النور حتى عثر
عليها بعد انتصار أكتوبر، وقراءاته عن علمائه وانبهاره بما حققوه.
في
حياته العملية التقى ببعض الأجانب، اشترك معهم في إنجاز وتسيير بعض الأعمال
فاكتشف بأنه صاحب التعليم المجاني وطريقة التعليم العقيمة في بلده، يتعامل
علمياً مع المهندسين من الدول الأوروربية والأمريكية على قدم المساواة،
وكان أحياناً يعدل لهم، وأحياناً أخرى يعدلون له، فزادت الثقة في الإنسان
المصري والعربي رغم البون الشاسع في الستوى التعليمي بينهم وبين العالم.
بعد قراءة العديد من المراجع عن العلماء العرب الذين يشك في قتلهم بسبب
نجاحهم في مجالهم الحيوي، ساءل نفسه، هل ذلك حقيقة أم أنها جزء من عملية
التزييف للقول بأن تخلفنا ليس بسببنا بل سبب مؤامرة كبرى؟
لكن بعد
التمحيص تم التأكد من الاغتيال المدبر للبعض من علمائنا، فلقد كتبت تسيبي
ليفني أنها كانت المسئولة عن عملية تصفية يحي المشد، وكذلك اعترفت حفيدة
راقية ابراهيم أن جدتها اعترفت لها بأنها تجسست على سميرة موسى لصالح
الموساد الاسرائيلي ..
إذن توجد نظرية مؤامرة ... في بعض الحالات.
8
مناقشة كتاب وغارت النجوم في الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي(1)
مناقشة كتاب وغارت النجوم في الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي
**************************************************************
للكاتب/محمد نجيب مطر
الجزء الأول
في بداية الصالون رحب الدكتور حسام الزمبيلي بالحضور وقدم للمؤلف والناقدين.
بدأ الجزء الأول من الصالون بكلمة الأستاذ خالد جودة عنونها ... وغارت
النجوم بين المكون التخييلي والتوثيق العلمي .. وقال بأن الكتابة ما هي إلا
تضفير بين الخيال والواقع، و لا يوجد نقاء في النوع الأدبي، لأن الأديب
يستعير أنواعاً أدبية متعددة، فإذا زاد الخيال أصبحت عملاً أدبياً، وإذا
زاد الواقع أصبح عملاً علمياً .. وأسلوب الكتاب هو مزيج من الأسلوب الأدبي
وحقائق من التاريخ، فالكاتب من فرسان الثقافتين يذكرني بالدكتور عبد المحسن
صالح في كتابه مذكرات ذرة حيث حول الذرة إلي شخصية تروي عن نفسها.
وقال بأنه ينقل جملة مركزية وقيمة وهي قول الدكتور مشرفة : العلوم لها
سحرها وقصة العلم قصة رائعة تأخذ بمجامع القلوب لأنها قصة واقعية وليست من
نسج الخيال..
والمكون التخييلي هو الغالب في الجزء الأول من الكتاب،
فهو ليس خيال ... فالتخييل هو أسلوب فني قام الكاتب باتباعه لعرض مضمون
حقيقي، والمزج بين المكون التخيلي والمكون العلمي استخدم لتبسيط العلم لدفع
الملل عن القارئ.
وقال بأن الكتاب يحتوى على قيم تربوية رائعة، وثقافة علمية واعدة وتبسيط علوم على درجة عالية من الحرفية.
وأنهى الناقد مداخلته بالقول لكنني أري أن الكتاب يفتقد إلى توثيق
المعلومات العلمية لكي نعرف من أين أتى بتلك المعلومات الجريئة والخطيرة
والتي تحمل في داخلها تساؤل كبير لم يجب الكاتب عنه.
في الجزء الثاني
من الصالون تحدث العلامة في أدب التراث الدكتور يسري عبد الغني رائد
الأصالة والمعاصرة فقال بأن الكتب نوعان، النوع الأول كتاب تقرأه وأنت
تشاهد بالية وتعيش فيها وتنفعل وتطير بين السحب، ونوع آخر تسمع فيه أغاني
أورتيجا الشعبية وتشاهد فيلماً من أفلام السبكي، وكتاب اليوم هو كتاب من
النوع الأول.
وأضاف أن معلومات مكتبة الكونجرس الأمريكي تقول أن الكتب
العلمية البحتة في مصر تشكل 0.01 % من الكتب واالباقي شعر وقصة ورواية
وتنمية بشرية.
وأن نصيب المصري من ميزانية البحث العلمي35 قرشا، وأن نصيبه من ميزانية الثقافة 105 قرشاً، وهذا واقع يجب أن نعيه ونعمل على تغييره.
وقال أن الكتب الجيد هو الذي يطرح الأسئلة ولا يجيب عليها كما فعل هذا
الكتاب الذي يطرخ أسئلة قاسية و يثير الكثير من الأحزان، فلقفد بكيت عند
قراءة هذا الكتب لأني وجدت فيه ثلاثة أسماء من أصدقائي الأدباء العراقيين
الذين زاملتهم في الكتابة في المجلات الثقافية قبل الغزو الأمريكي المجرم،
ولم أكن أعرف أنني لن أراهم بعد الآن.
وأشار شيخ النقاد بأنه ومنذ مدة
طويلة لم يقرأ عنوان كتب أو عمل أدبي يبدأ الواو الفاصلة العاطفة كما يقول
أستاذنا عبد القادر الجرجاني ... بمعنى أن قبل الواو كلام كثير وما بعدها
كثير أو كما يقول مولانا الزمخشري القبلية والبعدية.
وهو عنوان ذكي أهنئ عليه الكاتب لأنه يعني أن النجوم غورت بفعل فاعل.
وأضاف أن هذا الكتاب كيف نقيمه؟ هذا كتاب من فن المقالات وليس عمل أدبي من
نوع الرواية أو القصة القصيرة، ولهذا أحتلف مع الأستاذ خالد جودة ليس
مطلوباً من كاتب المقال أن يوثق لمعلوماته ... إلا اآيات القرآن الكريم..،
وله أن يقدم ويؤخر في الأحداث كما يشاء .. وقال بأن الكتاب يحمل قيمة
تربوية عالية للنشئ ويتمنى أن تقرره وزارة التربية والتعليم على طلابنا في
الاعدادية أو الثانوية، ليعرف صغارنا مكانة العلم والعلماء ويتأسوا بهم.
وقال بأن حوار المشد مع رفقائه الفلسطيني والسوداني والعراقي والمصري أثار
في نفسه شجون لأنها الفكرة التي عمل عليها عبد الرحمن الكواكبي في كتابه
أم القرى.
وأنهى كلمته بتوصية أن يتم تكوين مجمع علمي من جميع التخصصات يجمع بين علماء الأمة وينسق بين جهودهم لدفع الأمة إلى القمة.
وأشار أن حماية العلماء هو واجب الدولة الأول، فنزيف العقول العربية يمثل مشكلة شديدة للوطن العربي.
6
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة
قرأت لك: رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة 1. الحكاية: تحكي الرواية عن عالم في الهندسة الوراثي...
-
روايات ترسم المستقبل مع “مهندسو الخيال” عبد الحفيظ العمري 29 نوفمبر، 2016 - 5:57 م كم الفارق بين العلم والخ...
-
نهاد شريف سيرة ومنهج ذكرى ميلاد عميد أدب الخيال العلمي في الوطن العربي ( نهاد شريف سيرة ومنهج ) بقلم: حمادة هزاع في مثل ه...
-
ميكانيك الكم : تجربة الشق المزدوج : هذه التجربة تهدف إلى معرفة سلوك الإلكترونات والتي هي جسيمات (يعني مثل حبات الرمل)، هل دائماً...







