(Exam): كيف تصنع فيلمًا بالغ التشويق، بـ 600 ألف دولار، داخل غرفة
ياسين أحمد سعيد أكتوبر 24, 2018 خيال علمي, دراما نفسية, فنون بصرية 262 زيارة
(ستيوارت هازلدين).. صانع أفلام بريطاني طمح إلى إصدار فيلمه الأول الطويل، إلا أنه كان يعلم مدى فداحة التعاون مع ستوديوهات الإنتاج الكبرى، رأي بعينيه كيف أفسدوا أفلام بعض زملاءه بتدخلاتهم في السيناريو، اختيار الممثلين، إلخ.
قرر (ستيوارت هازلدين) امتلاك السيطرة الكاملة على أول ظهور له، عن طريق (الاعتماد على فكرة مبتكرة، واعتصارها لإخراج أعلى إثارة ممكنة، داخل أدنى مساحة إنتاجية)، فلم يكن غريبًا أن يلجأ إلى تكنيك (أفلام الغرفة). قام بإخراج الفيلم بنفسه، كما شارك في الكتابة والإنتاج أيضًا.
شاهدت الفيـلم بمزيـج من الفضـول والاستمتاع.
نعم، أعجبتني فكرته منذ قرأت عنها في مكان ما، لكنني ظننت –بعد مرور أول عشرة دقائق من الفيلم- أنها لن تسمح بفرز الكثير من المفاجئات أو المنعطفات الدرامية، لكنني فوجئت بأن (هازلدين) استطاع إدارة دفة الأحداث، لتأخذ مسارًا مشوقًا تصاعديًا، بدون أي لحظات ملل.
فيما بعد، عرفت أن فكرة الفيلم كان من المقرر أن تتمحور حول امتحان دراسي، ثم تحولت فيما بعد إلى:
مقابلة شخصية للحصول على وظيفة، ترشح لها عدة أشخاص متعددي الأعراق، اضطروا للتعاون أحيانًا، والتناحر في أحيان أخرى، كل ذلك في محاولة لمعرفة (سؤال امتحان الوظيفة)، الذي تركته لهم الشركة (واضحًا جدًا ومخفيًا في ذات الوقت).
تدور أحداث السيناريو في حقبة مستقبلية غير محددة، إلا أنها واردة الحدوث في أقرب وقت.
في الواقع.. أراه قرارًا موفقًا، فليس كل الجمهور يشعرون بالألفة والتقبل تجاه رؤية عالم يحفل بالروبوتات، الهولوجرام، السيارات الطائرة، الأزياء الغربية.
قرأت عن كواليس ما قبل صناعة الفيلم، ففهمت مصادر التأثر التي انعكست على حبكته المشوقة.
نحن نتحدث عن فيلم من إنتاج عام (2008م)، أي إبان دراستي في الثانوية العامة، ونشرة التاسعة على القناة الأولى، التي تحفل بأخبار وباء (أنفلونزا الطيور). وظهور (شركات الأدوية العالمية) في خانة (المنقذ)، ثم نظريات المؤامرة التي صارت تتهمهم –لاحقًا- بافتعال الأزمة.
افتتح الفيلم بلقطات مقربة تنتقل بها الكاميرا بين مجموعة أشخاص، يستعدون لدخول مقابلة شخصية (إنترفيو). أعجبتني فكرة البدء بكادرات تتصفح تفاصيلهم الصغيرة: يد تحكم إغلاق ربطة عنق، وجه جميل يستقبل لمسات الزينة الأخيرة، فم يتلقط حبة دواء، أصابع أنثوية تدس حشوًا بين لتقليل الاحتكاك بين كعب قدمها وباطن الحذاء.
تدفق المتقدمون للوظيفة تباعًا، حتى امتلأت بهم الغرفة، ليجدوا أمامهم عشرة مقاعد، كل واحد منهم ملحق بطاولة، أشبه بالذي يجلس عليه الطلبة في الامتحانات الدراسية.
اكتشفوا أن هذه المقابلة تختلف تمامًا عن النمط المعروف، القائم على (جلوس المرشح منفردًا، أمام مسئولي الموارد البشرية، لتلقي الأسئلة).
لم يظهر أي أحد ينتمي إلى الشركة، سوى حارس –الممثل (كريس كاري)- يقف على الباب، بالإضافة إلى مسئول صارم يطلق عليه (إينفيجيلتور) –الممثل (كولين سالمون)- أخبرهم باقتضاب عن القواعد، التي يمكن تلخصيها في:
– هناك سؤال واحد، وإجابة واحدة.
– لا يجوز التواصل مع المراقب أو الحارس.
– عند مغادرة الغرفة، أو إفساد ورقة الإجابة بقصد أو غير قصد، سيتم إقصاء المرشح مباشرة.
وكأن المخرج البريطاني (ستيوارت هازلدين) شاهد مسرحية (مدرسة المشاغبين)، فبني حبكة فيلمه الجاد استلهامًا من العبارة الساخرة الشهيرة لـ (سعيد صالح):
-«إيه هوا السؤال؟»
بدأ العد التنازلي للساعة الرقمية أعلى الغرفة، لينظر المرشحون العشرة إلى أوراقهم، فوجدوها بيضاء من غير سوء.
تجرأ أحدهم على مناقشة بقية المنافسين في هذا الأمر المحير، فلم يطرده الحارس. استنتجوا جميعًا من ذلك أن قاعدة (عدم التواصل مع المراقب) لا تعني (عدم التواصل مع بعضهم البعض).
بل ربما تعمدت الشركة جعل امتحانها غامضًا بهذه الطريقة، لحث المرشحين على التعاون، لاستكشاف أكثرهم قدرة على ذلك.
فيما بعد، سيعرفون أن حل اللغز كان بسيطًا ومتاحًا منذ البداية، كانوا ليعرفوه بسهولة لو تمعنوًا في المعنى الحرفي المباشر لكل كلمة قالها مسئول الشركة، أثناء إبلاغهم القواعد.
الرجل الذي كسر حاجـز الصمت داخل الغرفــة، انتقل بعدها إلى حث الجميع على التكاتف من أجل معرفة السؤال أولًا، ثم يستطيع بعدها كل شخص أن يشق طريقه لنفسه بنفسه. اقترح نفس الرجل ألا يستخدموا أسمائهم الحقيقية، ويكتفون بأي كلمة وصف دالة، كلون الشعر أو البشرة، ماذا لو خاطبوه بـ (أبيض)، ويطلقوا على الزنجي (أسود)، الرجل الشرق أوسطي (بني)، الأوربية (شقراء)، وهكذا.
في الأحوال العادية، كان الفيلم سيتهم بالعنصرية. إلا أن السيناريو تصرف بذكاء في هذه النقطة. حيث قدم الاقتراح على لسان شخصية انتهازية يتوقع منها مثل هذا الاقتراح.
هل السـؤال مكتـوب بحـبر سـري يظهـر -فقط- تحت إضاءة بلون معين أو التعرض لسائل؟
أم أن الشركة لم تترك سؤالًا من الأساس؟ لعلهم يرغبون في الحصول على شخصية قوية يمكنها استغلال القواعد في إفراغ الســاحـة من المنافسـين «بأي طريقة»، ولو بالقتل؟
لفت نظري عدم منطقية النقطة الأخيرة، صحيح أن زمانهم يعاني من وباء عالمي، يحصد آلاف الضحايا يوميًا، فصار الموت أمرًا مألوفًا، لكن ليس لدرجة ارتكاب جريمة قتل أمام كل هؤلاء الشهود، ثم يتوقع القاتل أنه –بدلًا من المحاكمة- سيكافأ بالحصول على وظيفة.
*********
– أدرينالين ناتج عن ساعة ونصف من التشويق.
– عدم الاهتمام بمشاهدة العمل مرة أخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق