الجمعة، 22 مارس 2019

اسين أحمد سعيد: (الرجل من الأرض): داخل غرفة بصحبة رجل من العصر الحجري

(الرجل من الأرض): داخل غرفة بصحبة رجل من العصر الحجري

لكنه ليس كأي (خيال علمي).

إذ أن لا نرى الكثير من الأفلام التي ينطبق عليها هذا التصنيف دون أن تدور أحداثها داخل سفينة الفضاء، أو مدينة مستقبلية، أو..، أو..، بل هو قائم بنسبة 100% على (حوار) بين أشخاص معاصرين، داخل (غرفة).

إذا عرفنا ماضي مؤلف الفيلم، سنجد أن مثل العمل لا يعتبر طفرة قياسًا بمستوى بقية إنتاجه، فالقاص والسيناريست الأمريكي (جيروم بيسكبي) شارك في كتابة مسلسلات ذائعة الصيت، مثل (ستار تريك Star trek). كما كتب القصة التي بني عليها –لاحقًا- العمل الذي ظهر على الشاشة باسم (منطقة الشفق Twilight Zone).

بدأت قصة فيلم (الرجل من الأرض) بوصول مجموعة من أساتذة الجامعة إلى منزل زميلهم المستقيل مؤخرًا (جون أولدمان). وجدوه منشغلًا في حزم أمتعته بالفعل، فلم يملكوا إلا وداعه مع التعبير عن عدم تفهمهم لأسباب الرحيل المفاجئ.

كلما طالبوه بتفسير، تجنب جون تقديم إجابة واضحة. قبل أن تبدأ ملاحظات أخرى في الطفو على السطح.

أولًا:

انتبهـت (إيديث) إلى وجـود لوحـة عتيقـة -ضمن المنقولات- عليها توقيع (فان جوخ)، مرفقة بإهداء إلى شخص يدعى (جون). فأوضح (أولدمان) ببساطة أنها نسخة ملقدة. ثم اعتذر عن خلو البيت من الطعام، وأنه مضطر لتقديم المتاح، منحهم (شرابًا عتيقًا جدًا).

تندر الضيوف كذلك بملحوظة تخص ملامح زميلهم المغادر، التي لم يبدُ عليها التقدم في السن إطلاقًا، رغم مكوثه بينهم عشرة أعوام.

قال (جون):

-أريد أن أسألكم سؤالًا سخيفًا.

-جون، نحن معلمون، أي نجيب على أسئلة سخيفة طوال الوقت.

-ماذا لو أن رجلًا من العصر الحجري، عاش حتى اليوم؟

طلب منهم مناقشة الفكرة -أولًا- من منطلق أنه سيكتب عنها رواية خيال علمي، فأعجبتهم اللعبة، وبدأ كل فرد يتحدث من منظور تخصصه:

أيّد متخصص الأحياء (هاري) إمكانية الفرضية، لو حظي هذا الرجل المزعوم بنوع من (تجديد الخلايا)، كما أن أجسادنا جميعًا –على أي حال- مصممة لأن تعيش 190 عامًا، لكن يقتلنا التسمم البطيء.

على الناحية الأخرى، خمن عالم الأنثروبيلوجيا (دان) أن ملامح وقامة رجل الكهف المزعوم سيشبهاننا كثيرًا.

قال (أولدمان) بأنه سيجرب أمرًا لم يفعله من قبل، سيخبرهم بالسر:

– أنا رجل كهف فعلًا.

لا أعتبر الملخص السابق حرقًا للأحداث، بل ستعرفونه في أول ربع ساعة من الفيلم. أما ما تلا ذلك، فيعد مباراة حوارية بالغة الإمتاع، تباينت ردود أفعال زملاء (جون).

راق لي الرسم المتقن لشخصياتهم على الورق، الذي توازى معه تجسيد مقنع من الممثلين.

يمكن القول بأن خبير الأنثروبيلوجيا دان –الممثل (توني تود)- تعامل بعقلية تحليلية جادة، منفتحة على جميع الاحتمالات.

نفس الحال بالنسبة لأستاذ الأحياء هاري – (جون بيلينجسلي)- إلا أن عقلانيته لم تمانع وجود لمســـة من خفة الظل + لامبالاة.

على العكس، أصر متخصص الآثار آرت –(ويليام كات)- على أن إجابات جون، على الرغم من صحتها،  يمكن الإلمام بها من أي كتاب مدرسي، ثم تصاعد تحفز (آرت) ليتحول إلى انفعال، لدرجة أنه استدعى زميلهم، الطبيب النفسي وِل –(ريتشارد رييل)- الذي ناقش جون، فأضاف بعدًا جديدًا للنقاش.

أستاذة تاريخ الفن إديث –(إلين كراوفورد)- تعاملت مع الموضوع بما هو أشبه بطريقة (أمهات الطبقة المتوسطة المحافظة)، حيث تكن ودًا كبيرًا تجاه (جون)، انعكس في صورة عصبية شديدة تجاه ما تسمعـه، من منطلـق (إذا كنا نحبـه، يجـب ألا نجاريه في ذلك).

أما (ليندا) –طالبة (آرت) التي جاءت بصحبته- فكانت أكثر لطفًا، لم تبد استنكارًا  يذكر. شاركتها المؤرخة ساندي –(أنيكا بيترسون)- التي كانت أكثر من مال إلى تصديق زميلها المستقيل، لأنها تحبه.

صارحته بذلك عندما انتحيا جانبًا، فأجاب بأنه يعرف. لكن ما الفائدة إذا كان يعرف أنها ستموت قبله بكثير؟ مما يعني عذابًا أكثر.

أجابت (ساندي) حينذاك بمنطق أعجبني جدًا.

نعود إلى الحياد الذي تمتع به (دان)، وجعله يوجز كل شيء بجملة:

– ليست هنــاك أي طريقــة في العــالم كله ليثبـت (جون) قصته. مثلما لا توجد طريقة لنفيها.

هذه العقلية المنفتحة جعلت (دان) يصل إلى تفسيرات مبتكرة لحالة (جون) من الحين والآخر، مثل:

– الزمن؛ لا يمكنك رؤيته، سماعه، قياسه وتقدير وزنه في معمل. هو حالة، نوعًا من الإدراك الحسي بأننا أصبحنا ما نحن عليه الآن بدلًا مما كنا عليه قبل نانوثانية مضت، بأننا سنكون (نحن) آخرين بعد نانوثانية قادمة.

الزمن كاملًا منبسط، كشرائح متتالية لصورة منظر طبيعي. ونحن نتحرك، من شريحة إلى أخرى.

اعترضت ليندا:

– لكن الساعات بوسعها قياس الزمن
– لا، الساعات تقيس الوقت، والوقت مجرد شكل مادي وضعناه نحن للزمن مستخدمين ساعات أخرى، الساعات تقيس بعضها البعض لا المفهوم الحقيقي للزمن.
– نظرية مثيرة للاهتمام! لكن ما علاقة هذا كله بجون؟!
– جون؛ على الأغلب رجل يحيا خارج الزمن الذي نعرفه.

تمتع الممثل (ديفيد لي سميث) بأداء هادئ، مناسب للدور الذي يؤديه، دور رجل عاش لـ 140 ألف عام، أي رأى كل ما يمكن رؤيته. لذلك، لم يهلع أو يفقد أعصابه عندما صوب أحد الرفاق مسدسًا نحوه، أو عندما حاول (هاري) مفاجئته بانقضاضة مازحة من الخلف، فصدم من أن (جون) صدّها وأسقطه أرضًا في ثانية.

-لماذا فعلت ذلك؟

– أردت اختبار سرعتك وردة فعلك.

-ليس لدي عيون في مؤخرة رأسي، ولا أستطيع سماع الحشرات تمشي، أنا لست رجلًا خارقًا.

لم تشغل (هاري) هذه النقطة، بقدرة حيرته تجاه كيفية تغلب (جون) عليه:

– معي حزام أسود من الدرجة الثانية.

جاء تفسير (جون) بسيطًا:

-تدرب لألف عام أخرى.

حكي بعدها أنه انتقل إلى الشرق عقب العصر الجليدي، ليعيش كسومري لمدة 2000 سنة، ثم عاصر حاكمًا بابليًا وصفه بأنه عظيم.. يقصد (حمورابي)، صار (جون) بعدها تلميذًا لـ (بوذا)، فصديقًا لـ (فان جوخ). ثم أبحر ضمن أسطول كريستوفر كولومبوس، معترفًا بأنه كان يعتقد -في ذلك الوقت- أن الأرض مسطحة.

أعجبني واقعية التفصيلة الأخيرة. تضاعف إعجابي عندما سؤل البطل عن حقبة العصر الجليدي، وتغيراتها الجغرافية والمناخية، فلفت نظرهم أنه –بالبديهة- لا يحيط علمًا بالصورة كاملة، فهو –أولًا وأخيرًا- يخبرهم بوجه نظر رجل واحد، عاش في مكان واحد. أغلب معلوماته اكتسبها بالقراءة فيما بعد.

حتى لفظـة (رجـل الكهــف)، لم يكن يعرفهـا إلا عندما ظهرت في المراجع. أضاف بأنه –خلال عمره الطويل- حصل على شهادات في تخصصاتهم جميعًا.

– ما عدا أنت يا (ويل).

– …

– كلكم يستطيع فعل ذلك، العيش لمدة 140 ألف سنة لم يجعلني عبقريًا، وإنما كان لدي الوقت للتعلم.

سأل الجالسون (جون) إذا ما قد عاصر التاريخ الديني، هل كان –مثلًا- أحد الشخصيات التي ذكرت في الإنجيل؟ تهرب رجل الكهف –في البداية- من الرد، لكن استجاب بعد إلحاحهم.

في الواقع، كان هذا قرارًا حساسًا من السيناريست، طبيعتي المتحفظة –كمشاهد شرقي- لم تبتلعه، خصوصًا أنها تفترض ضمنيًا بأن جميع الأديان ما هي إلا أساطير. بينما الجانب المتجرد من عقلي عجز عن إنكار مدى ذكاء هذه النقلة، حيث دفعت الحبكة إلى أبعاد جديدة.

صحيح أن معظم الحاضرين -مثل (دان) و(هاري) و(ويل)- لم يتأثروا كثيرًا بما سمعوه، إلا أن النقطة الأخيرة تسببت في زلزال بالنسبة لمسيحية متدينة مثل (إديث).

بشكل عام، كان أداءها التمثيلي مقبولًا منذ بداية الفيلم، إلا أن المرأة الأربعينية –منذ اقتحام السيناريو للتاريخ الديني- أظهرت ما يشبه صدمة «طفلة غربية أخبروها بأن (سانتا كلوز) ليس حقيقي»، فظللت تكرر جملة واحدة:

– أنت لست (..).. أنت لست (..)!

تعبيراتها وأدائها أثناء ترديد نفس التعليق المذهول، كانت أكثر إقناعًا من كل الحوار الذي  قالته منذ بداية الفيلم، ثم استحال كل هذه المشاعر المصدومة إلى سعادة وارتياح، عندما تراجع (جون)، وأخبرها بما تريد سماعه.

من ناحيتي، ظننت أن (الرجل من الأرض) سيلعب –فحسب- على استخدام المنطق والمنطق المضاد، فلن يحتوى على المزيد من التحولات العاطفية، غير أن نهاية أحداثه فاجئتني بالعكس، حيث احتوت وحدها على (تهديد بالقتل، موت، بدء حياة جديدة).

جميع ما سبق، جعلي ذهني ينشغل بسؤال:

– كيف لم أره أو أسمع عن العمل طوال هذه السنوات؟ مع أنه –حسبما قرأت على صفحته في (ويكبيديا)- إنتاج عام 2007م!

خرجت من الفيلم بامتنان عميق تجاه كل شيء: تجاه الفكرة المبتكرة للمؤلف (جيروم بيسكبي)، التنفيذ الاحترافي للمخرج (ريتشارد شينكمان)، الروح الرياضية للمنتج (إيريك د. ويلكينسون). حيث شكر الأخير كل من تداولوا النسخة المقرصنة من الفيلم،  قائلًا أنهم رفعوا شعبية العمل، مما شجع فئات أخرى على شراء النسخة المدفوعة.

 

https://youtu.be/qe2hqDzDrN0
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة

قرأت لك: رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة 1. الحكاية: تحكي الرواية عن عالم في الهندسة الوراثي...