شخبطة
ذهب مع صديقه إلى حلقة الذكر، وعندما شاهد ما
يحدث، وجه غضبه إلى زميله قائلاً له : ما هذا التخلف العقلي الذي يمارس باسم
الدين، لا يمكن أن يرضى الله لعباده تلك المذلة والجهالة، هل من الدين أن يرتدي
المرء ثياباً مهترئة وأن يتجنب الناس وأن يعيش عالة على الآخرين وألا يغتسل باسم
الزهد في الدنيا والاستعداد للآخرة، لا يمكن أن يفتح المسلمون ثلثي العالم في ربع
قرن ويقيموا نهضة عظيمة سادت الدنيا لقرون ودفعتها لمستويات عالية من الحضارة
والتقدم وهم بهذا التطرف الغبي في الهروب من الدنيا.
رد عليه صديقه بكل حدة : ماذا فعلوا حتى تقول
عنهم ذلك؟ ... إنهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، إنهم يكلمون الله
بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أتقول عن هؤلاء جهلة ومتخلفون وتترك من يرقصون على
أنغام الموسيقى الصاخبة مع النساء ويشربون الخمر ويلعبون قمار ؟
رد عليه المهندس بكل قوة : لا هؤلاء و لا هؤلاء
... كلهم متطرفون ولكنهم في اتجاه متعاكس، الأولون متنطعون متواكلون متكاسلون اختصروا
الدين في العزلة ويتقربون إلى الله بالضعف والقذارة باسم الزهد، ما كان هذا زهد
الأنبياء والصالحين، والآخرون فصلوا الدين عن الدنيا، حصروه في صلاة الجمعة و صيام
رمضان، أحلوا لأنفسهم ما حرم الله باسم التطور وحقوق الإنسان.
قذفه صديقه بنظرة نارية غاضبة، وقال له في تحد :
يفصل الله بيننا وبينكم يوم القيامة.
وقف مع زميله يشاهد حلقة الذكر والجميع يرددون
... الله حي ... ويعلو صوت أحدهم فجأة وكأنما لسعه عقرب .. نور ... الله نور ....
فيرد آخر على بعد ... موجود في كل الوجود... فيرد ثالث .. نور على نور ... فيرد
رابع ... يا لطيف الطف بنا.. والبخور يشكل سحابة تحتوي الجميع برائحته المميزة
التي أضفت على المشهد سحراً عجيباً.
رآهم يميلون إلى اليمين وإلى اليسار على إيقاع
دف شبه منتظم، ويدورون حول أنفسهم في دائرة صغيرة وفي نفس الوقت يدورون حول زعيمهم
في دائرة أكبر، وجلس يستمع إلى أحدهم وهو يحكي عن المعجزات المزعومة لأولياء الله
من الصالحين، وكيف أنهم يسيرون على الماء ويكونون في عدة أماكن في نفس الوقت، ويظهرون
في أنحاء متباعدة في لحظات وكأنهم يوقفون الزمن، بمعنى أن يكون الولي في طنطا
ويختفي ليكون في أسوان بمجرد اختفائه.... وأن هناك أناس أمثالنا يحملون نفس
أشكالنا وأسمائنا لكنهم متعاكسين معنا، وإذا تلامسنا معهم نفنى جميعاً ونصبح هباء
منثوراً.
تذكر كل هذا وهو يجلس مع زميله في محاضرة
الفيزياء الذرية في كليته، فلقد أخبرهم الأستاذ المحاضر أن مكان وجود الالكترون
وهو جسيم صغير جداً في الذرة لا يمكن تحديده بدقة، فهو يمكن أن يكون في عدة مواقع
في نفس الوقت تقريباً، ولهذا يعبر عنه بنسب احتمالية، فهو يمكن أن يكون هنا بنسبة
خمسين في المائة ويمكن أن يكون هناك بنسبة ثلاثين في المائة، ويمكن أن يكون في
مكان ثالث بنسبة العشرين في المائة المتبقية، وأنه قد يكون هنا في لحظة ويكون في
مكان آخر بعيد جداً عن المكان الأول في اللحظة التالية دون أن يمر بالبين بينهما،
أي أنه ليس هناك زمن للانتقال، وكأن الجسم يفنى في مكانه ليتم خلقه في مكان آخر في
نفس اللحظة.
وأكمل المحاضر في ثقة وهو يشرح معادلات بلانك في
ميكانيكا الكم أن هناك في المعادلة طاقة سالبة وهو شئ جديد لم يألفه البشر ولم يقل
به العلم الكلاسيكي، وأن ذلك يعني ببساطة أنه لو ركل أحدهم الكرة في اتجاه المرمى
فستندفع الكرة في وجه من ركلها وفي عكس اتجاه المرمى واستنتج من ذلك أن هناك أجسام
متعاكسة في الذرة، فهي متعاكسة في الشحنة ولكنها أيضاً متعاكسة في الكتلة، فإذا تماست
تلك الكتلتين تعادلت الشحنات وذلك طبيعي، ولكن الغير طبيعي أن الكتلتان تختفيان
وتنطلق ومضة وتتحول الأجسام إلى موجة تنطلق في الفضاء ولا شئ غير ذلك.
تخيل زميله الذرة والالكترونات تدور حول نفسها
وكأنها الدروايش تردد على إيقاع منتظم وسريع ... الله حي ... الله حي .... ووجدها تدور حول
النواة كما يفعل المريدين حول القطب، وهي موجودة في سحابة وفي أماكن مختلفة في نفس
الوقت كما يفعل أولياء الله من الصالحين، وتنتقل بلا زمن كما يفعل الواصلين، ووجد زميله
يقوم من مكانه ويقف ويفرد ذراعيه في الهواء ويدور حول نفسه بزاوية مائلة وفي نفس
الوقت يدور حول منضدة المحاضر وهو يصرخ ... الله حي ... الله حي ... موجود في كل الوجود
... قيوم .... نور على نور ... يا لطيف الطيف... والكل ينظر إليه في دهشة وانبهار،
ثم سقط مغشياً عليه وهو يردد حي ... حي ...حي، وزميله يجري وراءه يحاول منعه
مستنكراً قائلاً : سبحان الله ... سبحان الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق