الأحد، 8 أكتوبر 2017

قصة قصيرة من أدب الخيال العلمي


الآخر

عاد الابن الصغير من الخارج في الصباح الباكر، ومعه كيس الفول الساخن والطعمية التي تزكم رائحتها الأنوف وتفتح الشهية خصوصاً بعد إضافة البيض المقلى والجبن الرومي وطبق السلطة التي تعده قبل أن يخرج الجميع إلى أعمالهم ومدارسهم وكلياتهم.
أعدت ربة المنزل طبق الفول وأضافت إليه الملح وقطعت حبة من الطماطم عليه وعصرت ليمونة ووضعت بعض الفلفل وبعض الكمون، رشت بعض الملح على السلطة وعلى البيض أثناء قليه، ونادت على ابنها الأصغر كي يضع الطعام على المائدة، ووضعت الشاي على النار ليكون جاهزاً أثناء الطعام، لتناول طعام الفطور على عجل قبل ارتداء ثياب الخروج و ركوب السيارة إلى العمل.
في تلك الأثناء كان هناك نقاشاً حاداً يدور داخل جزئ الملح الذي يتكون من ذرة من الصوديوم وذرة من الكلور، فقد أدى تسخين الطعام إلى عصبية ذرة الصوديوم فوجهت غضبها إلى شريكتها في المسكن ذرة الكلور وقالت لها في حدة: أنت ذرة شيطانية، شريرة تحملين في داخلك الموت لكل من يتنفسك أو يشرب محلولك، أنت تُزهقين حياة المخلوقات، بكت ذرة الكلور وأخبرتها أن طبيعتها هي التي تجعلها كذلك، فصرخت فيها ذرة الصوديوم : دموع تماسيح، كيف يكون ذلك كذلك؟
قالت ذرة الكلور إن سلوكها العدائي يعود لنقص في بنائها، ولولاه لكانت ذرة طيبة لا تؤذي أحد، طلبت ذرة الصوديوم الحكاية بالتفصيل؟
ذرة الكلور: إن بنائي الذري يتكون من ثلاثة طوابق أو ما يسمونه مدارات، الطابق الأول امتلأ بسكانه من الالكترونات، وكذلك الطابق الثاني، أما الطابق الثالث فيسكنه سبعاً من السكان ولكي يمتلأ لابد من إضافة ساكن جديد، ولهذا أجد وأجتهد من أجل الحصول على هذا الساكن بكل وسيلة متاحة.
سألتها ذرة الصوديوم في ضجر: ولماذا لا تحمدين الله على ما أعطاكي وتتركين المكان الفارغ للساكن كما هو؟
----: أنا ككل المخلوقات أتطلع إلى الأفضل، أحلم أن أتحول إلى عنصر نبيل، أحمل ثمانية ساكنين في آخر طابق، فلا أحتاج إلى أحد، ويصير لدي اكتفاء ذاتي .
إن هذا النقص فقط هو الذي يحرك طموحي ويجعلني أحاول خطف أي ساكن من أي ذرة أخرى لأكتفي وأصبح من النبلاء، وطالما أنك بدأتي الموضوع، فإنك تشاهدين القشة في عيني ولا ترين العود في عينيكِ، انظري إلى نفسك، أنت أيضاً ذرة خطيرة، تشتعل في الهواء و تحت الماء، وتتفاعل بفرقعة شديدة، وأنت أيضاً ذرة سامة.
هدأت ذرة الصوديوم قليلاً ثم قالت : مشكلتي أنا عكس مشكلتك، ففي الطابق الثالث يوجد لدي ساكن وحيد، وأريد التخلص منه بأي ثمن، وأنا أدخل في معارك مستمرة من أجل التخلص من هذا الساكن الوحيد، إن لكل مجتمع منغصاته وصراعاته وهذه المشاكل موجودة في معظم الذرات والجزيئات.
علقت ذرة الكلور قائلة: لهذا كان الحل أن نكون معاً، فتعطيني الساكن الزائد واستكمل أنا نقصي ونستقر ونكون من طبقة النبلاء.
ردت عليها ذرة الصوديوم بعنجهية: لا أريد لهذه الصحبة أن تستمر، وسأبحث عن صحبة أخرى.
ذرة الكلور (بأدب): الانقسام يولد مشاكل وإضرار لا حدود لها، هل رأيتي كيف أصبح العراق بعد انقسام أهله على أنفسهم وكم من الأرواح أزهقت؟
هل علمت ما حدث بعد تقسيم السودان من حروب وكم تكلفت من دماء؟
هل تعرفين ما يحاك لمصر واليمن وليبيا من أجل تفكيكهم إلى فرق يضرب بعضها رقاب بعض لتعم فيها الفوضى؟
أنا وأنت نصبح خطرين فقط إذا عشنا بمفردنا، ولكن بمجرد اتحادنا نصبح مركبات لها فائدة كبيرة للحياة والأحياء، لو تفككت كل جزيئات ملح الطعام في البحار و المحيطات إلى كلور وصوديوم، لتسممت كل الأسماك وماتت  كل الأحياء المائية، ولاشتعل الماء وشوي كل الأحياء بداخله، وبالتالي تنهار الحياة برمتها، التفكك يقابل الموت، والاتحاد يجردنا من دوافع الشر ويجعل منا شيئاً مفيداً لكل الأحياء.
ذرة الصوديوم باستهتار: لولا حاجتي ما رضيت بكم شركاء في السكن، سأبحث عن ذرات أخرى أفضل منكن.
صاحت ذرات الكلور في الجزيئات القريبة: تباً لكن ذرات الصوديوم، لماذا تتحدثن معنا بتلك الطريقة المتغطرسة، أنتن ذرات مقيتة.
انضمت ذرات الصوديوم في جزئيات الملح القريبة وفي الأطباق المتجاورة في الحديث، وقلن : أنتن سليطات اللسان، وسنهجركن وسنبحث عن صحبة أخرى في أول فرصة، نحن لنا لون أبيض ناصع، أما أنتن فلونكن أصفر كالح، نحن الأفضل ولا تستحقون صحبتنا.
ردت ذرات الكلور : ومتى كان اللون أو الجنس أو العنصر يعطي الأفضلية، تلك دعوة الجاهلية الأولى، الأفضلية بالتقوى وليست بأي شئ آخر.
كانت الأمطار تهطل في الخارج، وفجأة حدث برق شديد أحدث تفريغاً كهربياً وعلى إثره انفصمت الروابط في جريئات الملح في جميع الأطباق وانفصلت الذرات عن بعضها، فتجمعت ذرات الصوديوم القلقة على جانب، ووقفت ذرات الكلور الغير مستقرة على الجانب الآخر.
حمل الابن الأطباق ووضعها على المائدة، أكلت الأسرة كلها، وسقطت رؤوسها على المائدة، جاء تقرير الطبيب الشرعي بأن الطعام مسمم وبتحليله تم التعرف على عنصر الكلور الفتاك، وعنصر الصوديوم الحارق .
نقلت وكالات الأنباء خبراً غريباً جاء فيه أن منظمة الصحة العالمية ذكرن في نبأ عاجل أنه حدثت انفجارات متتالية في مياه البحار والمحيطات؛ نتيجة لانفصال عنصر الصوديوم من الملح تسبب في سلق الأسماء و الأخياء البحرية والنباتية في قاع البحار، و أن المياه أصبحت مسممة بفعل عنصر الكلور الذي تخلف عن انفصال الصوديوم.
استيقظت ربة البيت التي كانت قد وضعت رأسها على الوسادة لتريح جسدها دقائق قبل اجتماع الأسرة قبل الطعام، و أسرعت إلى المائدة حيث وجدت الأسرة تنتظرها؛ تذوقت كل الأطعمة الموجودة على المائدة ثم سمحت لهم بتناولها، وحمدت الله على أنها ما زالت حية هي وأسرتها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة

قرأت لك: رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة 1. الحكاية: تحكي الرواية عن عالم في الهندسة الوراثي...