مدينتي
مدينة صغيرة هدأت عندما احتضنها النيل بين
جوانجه، حن إليها الهواء وسكن عندها النهر فتعلمت السكون، معظم سكانها من الفلاحين
وعمال المحالج البسطاء، تنتشر فيها المدارس والمصالح الحكومية، وتتبعها عدة قرى،
لها تاريخ في الوطنية يعد مضربًا للأمثال، تُحيطها المزارع والحقول من كل حدب
وصوب، تختلط فيها أصوات العصافير وصياح الديكة بنهيق الحمار ورغاء الجمل ونداءات
الباعة.
يتعامل فيها الجميع بالحسنى، وترى الحياة
فيها وكأنها تباطأت أو توقفت حركتها، حتى حديثهم تراه بطيئا مثل كل شيء عندهم،
ينعمون بهدوء وطول بال يحسدون عليه، لا مشكلة عندهم، ما لم يتم إنجازه اليوم
فلينجز في الغد، يومهم طويل كليلهم، وهم غير متعجلين لإنجاز أي شيء في وقته،
وعندما تعاتبهم على ذلك تكون كلمتهم الشهيرة (هي الدنيا طارت.. يا مستعجل عطلك الله).
يتحلقون حول الطبلية في العشاء حيث تكون
وجبتهم الرئيسية حينما يعود الجميع ويتجمعون ويأكلون ما يوضع أمامهم دون اعتراض،
يحمدون الله على ما رزقهم وينامون قريري العين، يتحملون المصاعب والمصائب وما
أكثرها بصبر وجلد، تجدهم أخوة في المواقف الصعبة، يمكنهم أن يختلفوا على أي شيء
مهما كان تافها، وتثور الدنيا على شيء لا يستحق، لكنهم سريعي العودة إلى طبيعتهم
السمحة بعد الخلاف
في فصل الشتاء تتحول المدينة الصغيرة إلى
بركة من المياة والطين الذي يصلح لعمل مسابقات للتزلج على الوحل، يقوم الأسفلت
الموجود تحت طبقات من الطين بحجز المياه ليصبح التراب رطبا ولزجا لمدة طويلة، لكن
الناس قد تعلموا من نعومة أظفارهم كيف يتعاملون مع هذا الطين الناعم، فتراهم
يسيرون في طابور طويل وكأنهم يرقصون البالية بمهارة تحسدهم عليها معاهد موسكو.
حين تقود الصدفة أحد الغرباء ويكون الوقت
ليلا في شارع قام فيه الأطفال بتحطيم مصابيح الشوارع، يصبح هذا الوحل مصيدة لأولئك
الذين لا يجيدون فن التزحلق على الطين أو رقصة البالية الطينية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق