الأحد، 8 أكتوبر 2017

من قصص الرعب



آخر مترو

أسرعت الخطى نحو محطة مترو شبرا الخيمة لتلحق بآخر قطار متجه إلى الجيزة، وبالفعل وصلت قبيل وصول القطار بقليل.
جلست على أحد المقاعد لتستريح، وبعد مدة وجيزة وصل المترو فركبته وكما توقعت وجدت مقاعد خالية كثيرة لأن الساعة تقترب من الواحدة صباحاُ والليلة باردة جداً.
جلست في أحد المقاعد وسرحت بخيالها في الوصول إلى المنزل وتناول العشاء الساخن من البيض المقلي والبطاطس المحمرة والجبنة الرومي.
تصورت نفسها تحتسي الشاي الساخن، وتخيلت يديها تقبض على الكوب الساخن فيسري الدفء إليهما فتحس بالأمن والانتعاش.
تذكرت المظاهرات التي شاهدتها في التلفزيون اليوم الجمعة والقتل ودم الضحايا، قالت لنفسها في حنق: لماذا ذهبوا إلى هناك، لقد قتلهم من شجعهم على التظاهر.
من حق الدولة أن تحمي أمنها من المظاهرات ومن الانفلات، كان عليهم أن يهدأوا حتى تهدأ الحياة، وتعود للدولة هيبتها وقوتها.
لقد منعت أولادها من المشاركة في المظاهرات أو المسيرات أو أي نوع من أنواع الاحتجاجات.
الدولة على وشك الانهيار، والسفينة على وشك الغرق، يجب عليهم أن يتوقفوا عن هذا العبث؛ وإلا فإنهم يستحقون الموت لتعيش الدولة.
غير أن هناك هاجساً كان يلح عليها بقوة ويعتصر قلبها، ماذا لو كانوا أولادها، ماذا لو كان  ابنها الكبير مكان ذلك الطالب الجامعي الذي قتل داخل كليته ولم يشارك في التظاهر.
ماذا لو كانت ابنتها هي التي قبضوا عليها أثناء عودتها إلى بيتها، وحكموا عليها بالسجن لمدة سبعة عشر سنة لمجرد أنها تحمل صورة لشهيد.
أفاقت على وقوف المترو وهالها نزول جميع الركاب بسرعة، وصعدت قبل غلق الأبواب وتحرك المترو، أحست بخوف غامض، لم يحدث أبداً في أي وقت وتحت أي ظروف أن وجدت نفسها وحيدةً في عربة المترو.
نظرت من خلال الزجاج الفاصل بين العربات فوجدت العربة التي أمامها وكذلك العربة التي خلفها خالية تماماً من الركاب، أحست بهستيريا الخوف من الأماكن المغلقة تتسرب بسرعة إلى نفسها.
فجأة توقف القطار في مكان مظلم داخل النفق، وبدأت مصابيح الإضاءة داخل المترو في الإظلام واحدةً تلو الأخرى، سمعت عواء الذئب عالياً بالقرب من النافذة فاندفعت في رعب حقيقي تحاول فتح الأبواب دون جدوى.
أحست بأن معها داخل العربة مخلوقاً ما لا تراه ولكنها تحس بأنفاسه وتشعر بأن شئ ما يحتك بجسمها.
انفلتت في قوة لا تدري من أين جاءتها وكسرت زجاج الطوارئ بجوار الباب ثم شدت عتلة الايقاف بكل قوتها فانفتحت كل أبواب المترو لكنها وجدت من تغلق الباب دونها مرة أخرى.
تحاول تسليط الضوء من التليفون المحمول على تلك السيدة لتحدد ملامحها، إنها تشبهها تماماً، إنها هي ولكن بالخارج.
ركلت تلك السيدة التي لا تعرف من أين جاءت وكيف ظهرت بتلك السرعة على مسرح الأحداث، وترتدي ملابس تشبه ملابسها تماماً فجاءت الركلة على وجهها.
تضررت هي نفسها داخل المترو ونزفت من أنفها وأحست بالألم، صرخت عندما أيقنت أنها هي الأخرى خارج القطار وهي التي تغلق الباب على نفسها من الأسفل وهي التي ضربت وهي التي تلقت الضربة.
دفعت الباب بقوة وفي سرعة خاطفة قفزت خارج المترو، اختفت الثانية من المشهد وأحست أنها ربما دخلت فيها.
لم يهبط أحد غيرها، أخذت تنادي في الظلام على السائق أو أي أحد في القطار وهي واقفة على شريط المترو في الظلام في وسط النفق ولم تسمع إلا صوت الصدى، وفجأة أضاءت أنوار المترو مرة واحدة.
تحرك المترو مبتعدا عنها وهي تجري وراءه حتى تعبت فتوقفت، فكرت في أنها ربما ركبت القطار المتجه إلى المخازن ولكن لماذا توقف القطار في تلك النقطة؟ ولماذا أطفأ الأنوار ولماذا تحرك بسرعة فور نزولها؟
حاولت أن تهدئ من نفسها وأن تجد تبريراً منطقيا تطمئن إليه حتى يمكنها التصرف في هذا الموقف العصيب.
فجأة سمعت صوت صراخ يسري في هذا الليل البارد، ظهر لها شبح في الظلام يتجه إليها، حاولت أن تخرج المحمول من شنطة يدها لتضئ المكان حتى تتعرف على القادم، ومن فرط اضطرابها سقط المحمول على الأرض فاقداً الحياة.
استعاذت يالله من الشيطان الرجيم وكان الشبح يتجه إليها بسرعة عالية رافعاً قبضته إلى الأعلى وكأنه يحذرها من شئ ما، إنه ابنها ومعه مجموعة من المتظاهرين الذين شاهدتهم في التلفزيون، ويجري وراءهم مجموعة كبيرة من المتشابهين يحملون أسلحتهم ويصيحون بصوت عالي صيحات عالية ترن في الفضاء.
ما لبث ابنها أن سقط على الأرض على بعد عدة أمتار فقط منها، أسرعت إليه فوجدته غارقاً في دمه، صرخت صرخة مدوية زادتها رعباً، ونظرت فوجدت عدة أشخاص يهرولون نحوهم ويرفعون في أيديهم البنادق والمسدسات ومعهما رجل بلباس مدني.
إنهم المتشابهون الذين يرتدون زياً واحداً يميل إلى اللون الأصفر، أطوالهم واحدة، أجسامهم واحدة، وجوههم واحدة، أحذيتهم واحدة، خطواتهم منتظمة، وكأنك أخذت نسخة من واحد منهم وصنعت منها عدة نسخ متعاقبة، متشابهون في كل شئ حتى في صيحتهم وكأنهم مقبلون على حرب حامية الوطيس.
تحمل ابنها وأطلقت ساقيها للريح في الاتجاه المعاكس، فجأة يظهر لها مترو آتيا في سرعة كبيرة في الاتجاه المقابل لم تستطع أن تتفاداه وتحس بصدمة المترو المروعة لها وتسقط مضرجة في دمائها تجرها عربة المترو خلفها.
تسمع صرير العجلات المخيف يدوي بالقرب من أذنيها، تسمع الصفارات وعويل سيارات الاطفاء والاسعاف والحريق.
صوت الميكروفون يناشد المعتصمين بالخروج من الميدان لأن الشرطة لديها قرار من النيابة العامة بفض الاعتصام.
يتناهى إلى سمعها بكاء طفل يهز جسد أمه المسجى .. بالله عليك يا أمي ... انهضي.
تدوي صفارات الإنذار المزعجة، والصرخات المرعبة وأصوات الرصاص والقنابل وأزيز الطائرات المروحية حول الميدان.
تشم رائحة النار ويتصاعد الدخان من في الجثث التي تشتعل الميدان، وفي المستشفى الميداني وفي كل شئ، رأت الجرافات ترفع الجثث إلى سيارات النظافة.
يمد شخص ظهر فجأة يده ويسحبها وابنها من تحت العجلات في خفة وسرعة يحسد عليها، ويلقى بهما داخل عربة المترو.
تجد نفسها مقيدة هي وابنها والمجموعة التي كانت معه في المقاعد غارقة في دمائها، ولكن ما زالت أجسادها تنبض بالحياة، لم يكن يحرسهم أحد ورغم ذلك كان هناك ظل لشخص ما لا تدري من هو.
تحاول الفكاك بكل ما أوتيت من قوة من القيود، بينما بدا الآخرون مستسلمون بلا مقاومة، فجأة تفك قيودهم، ظلوا ساكنين لفترة حتى استوعبوا أنهم أصبحوا أحراراً يقفزون من مكانهم للهرب .
يحاولون تحريك أرجلهم فلا يستطيعون، تظل مكانها وكأنها مربوطة إلى الأرض بسلاسل مخفية، تتعالى صرخات العجز والرعب، فجأة يصاب أحدهم بطلقة متفجرة في رأسه فتحدث ثقباً في الرأس يسقط منه مخه بين يديه.
تعالت الصرخات من الخوف، يتلقى آخر طلقات الخرطوش أطلقه مجهول فامتلأ صدره بثقوب صغيرة المليئة بالدم.
أصيب ثالث بطلقة أطارت عينه وجزء من الجمجمة فسقطت على الأرض، فتحت بطن آخر بسكين حاد فتدلت أمعاؤه خارج بطنه في منظر رهيب، مد أحد المتشابهين يده وسحبها هي وابنها بسرعة إلى الخارج.
أفاقت على من يخبرها أن آخر مترو تم إلغاؤه بسبب المظاهرات المعارضة للنظام الجديد، نظرت حولها وتحسست أجزاء جسدها وشكرته وخرجت مسرعةً من محطة المترو لتلحق بآخر أوتوبيس أو ميكروباس متجه إلى الجيزة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة

قرأت لك: رواية جريمة عالم للدكتورة أميمة خفاجي بين الخيال العلمي وأدب الجريمة 1. الحكاية: تحكي الرواية عن عالم في الهندسة الوراثي...